أخبار البي بي سي عربي

الخميس، 19 مايو 2011

ليلة الفزع

لم يسمع رمزي في حياته يمتلئ بمثل هذا الذعر والخوف من قبل.. كلمات صديقه حمدي كانت تصل إليه إلي أذنيه عبر أسلاك الهاتف مرتجفة.. متقطعة.. وكأنه في سباق مميت مع الزمن..
* رمزي..! يجب أن تأتي حالا إلي الفيللا!
كان هناك ضجيج ما.. وأصوات غريبة تكاد تطغي علي كلمات حمدي وتجعل سماعها صعبا للغاية..
= حمدي ماذا بك؟!
* أرجوك يا رمزي.. إنني أحتاجك بشدة!
الوقت متأخر للغاية.. باقي علي الفجر أقل من ساعتين .. ورمزي يجاهد للهروب من حصار النوم و الإرهاق..
= ولكن.. إنها الثالثة صباحا.. ألا....
قاطعه بنفاذ صبر..
* ليس لدي وقت لأضيعه.. إن ما يحدث هنا رهيب للغاية .. إنني لا أستطيع الهرب..
= أريد أن أفهم.. ما..
ولكن قاطعته صرخة هائلة.. جعلت عيناه بعد أن كانتا علي حافة الاستسلام للنوم مرة أخري تتسعان في ذعر ويده تقبض علي سماعة الهاتف في قوة وكأنها ستحطمها..
* لقد جاء يا رمزي .. انه هنا أمامي..
= من الذي جاء .. ما الذي يحدث؟
ولكن لم يكن هناك من يجيب علي تساؤلاته .. لقد سمع ضجيج ما.. ونفس الأصوات الغريبة.. مزيج من الضجيج والصراخ والفحيح..مزيج غريب اقشعر له قلبه , ثم انقطع الخط تماما ولم يعد هناك سوي ذلك الأزيز الإلكتروني المتقطع.
لم يكن هناك أي حلول أو بدائل أخري .. قفز رمزي من علي الفراش وارتدي ملابسه بأقصى سرعة يستطيعها ثم التقط مفاتيح سيارته وأخذ يركض نحو الباب .
********************
الفيللا المتوسطة الحجم كانت تربض أمامه هناك علي مبعده.. كتنين أسطوري جاء ليخيفه في تلك الليلة الغامضة.. صوت الرياح بدا كالصراخ أو كأنين شخص ما يتعذب.. بينما نعيق البوم ينتقل من شجرة لأخرى مختلطا بحفيف أوراق الشجر.
المنطقة نفسها سوداوية وكئيبة .. ولم يكن يتخيل رمزي أن أي شخص يتمتع بقدر ولو بسيط من الذكاء يختار الحياة في ذلك المكان المنعزل والذي يبعد عن العمران بعشرات الأميال.. ولكن حمدي فعلها واختار هذا المكان بإرادته .. تلك الفيللا التي تقبع وسط دغل غريب الشكل أو ربما تكون حديقة ما تحولت بسبب الإهمال إلي تلك الشبكة المعقدة من الأشجار والنباتات التي لا يفقه في أنواعها أي شيء .. وهذا الاختيار الغريب مناسب لشخصية حمدي غريبة الأطوار التي تجنح دائما للوحدة والانطوائية ..إلا صداقته برمزي.. إنها الشيء الوحيد الذي يربطه بالعالم الخارجي .. الشعرة التي تصله بدفء الآدميين.
ولقد صارح رمزي صديقه أكثر من مرة أنه يخشى هذا المكان.. يخشاه بصمته.. بكآبته.. بذلك الانقباض والتوتر الذي يسري في جسده بلا رحمة كلما عبر بوابته.
ولكن حمدي سخر منه ولم يتزحزح عن قرار شراء الفيللا وسط اعتراضات رمزي التي ذهبت أدراج الرياح أمام عناد حمدي وإصراره علي الحياة فيها. سيارة رمزي تقترب في سرعة من الفيللا وذكريات ما تتدافع في عقله وتتقافز في مخيلته وأمام عينيه.. ذكريات حدثت منذ فترة قصيرة..
كان هذا منذ ستة أيام بالضبط..
*****************************
بداخل هذه الفيللا المشئومة يلعب الشطرنج في الصالون الضخم مع حمدي ولكن حمدي لم يكن مندمجا في اللعب كعادته .. نظراته كانت زائغة وتلك الارتجافة تداعب ذلك العرق النافر في جبينه وهذا دائما ينبيء بأن هناك شيئا ما .. شيئا ليس سليما علي الإطلاق..
توقف عن اللعبة فجأة.. كان بصدد أن يحرك أحد القطع ولكن يده تراجعت وبدلا من ذلك أزاح الرقعة جانبا:-
* أسف يا رمزي لن أستطيع استكمال اللعب.. ذهني مرهق للغاية..
= هناك شيئا ما.. أليس كذلك؟!
تنهد حمدي في بطء.. قائلا
* نعم .. هناك مشكلة صغيرة.
حاول رمزي أن يخمن.. إنه من تلك الشخصيات التي تكره انتظار الإجابات..انه دائما يحاول استباق الأحداث والنتائج.. نفسيته القلقة نافذة الصبر لا تتحمل الانتظار.
= أي نوع من المشكلات هل هي مشكلة في العمل؟!
هز رأسه نافيا هذا التساؤل مجيبا..
* لا.. ليست متاعب في العمل.. إنها مشكلة تتعلق بتلك الفيللا.
= وما هي المشكلات التي ممكن أن تسببها الفيللا لك؟!
صمت حمدي لثوان.. وجهه كان يعكس صراعا ما لا يخفي علي صديقه.. كان يريد أن يتكلم ولكن شيئا ما كان يشجعه علي الصمت.. ثم قال فجأة وكأنه يلقي عبئا ثقيلا يضني صدره..
* أعتقد أنها مسكونة.
لم تكن مفاجأة قاسية لرمزي كما توقع حمدي.. لقد كان شبه متأكد أن هناك شيئا غريبا في هذه الفيللا.. إن ذلك الانقباض الذي يداهمه كلما أتي إلي هنا لا يأتي من فراغ.. كان هناك بالتأكيد سببا ما لخوفه من هذا المكان غير وحدته وانعزاله.. لقد كان هناك شيئا يحوم في الهواء.. شيئا يمتزج بكل بقعة في هذه الفيللا.. شيء مقيت.. ومخيف.
= هل جننت؟!
* أيعني هذا الاتهام أنك لا تصدقني؟
نبرة صوت رمزي ترتفع في عصبية:-
= الكارثة أنني أصدقك.. لو لم أعرفك جيدا لقلت أنك مجرد مجنون غريب الأطوار أثرت الوحدة على عقله.. ولكننى أعرف متي تكون صادقا أو كاذبا.. ولكن المشكلة انك جالس هنا في منتهي الهدوء وتخبرني أن المكان مسكون وكأنك تلقي نكتة .. ما الذي تتوقعه مني بحق الجحيم.. أن أقع أرضا من فرط الضحك أو أسقط فاقدا للوعي من فرط المفاجأة؟!
كلمات رمزي انطلقت سريعة غاضبة.. بينما لم يحاول حمدي أن يرد كانت نظراته تائهة.. غامضة تهرب إلي أي مكان حتى لا تلتقي بعيون رمزي التي تكاد تلتهمه.
استطرد رمزي في لهجة أهدأ قليلا.
= ألم أحذرك منذ اللحظة الأولي من غرابة الفيللا بل وأحضرت لك عشرات الأماكن غيرها.. أماكن وسط المدينة.. وسط الحياة ولكنك أصررت علي هذا المكان اللعين!
قال في تردد:-
* نعم.. هذا صحيح.. ولكن..!
قاطعة رمزي وذلك الهدوء في لهجة حمدي يزيد من حدة الغضب:-
= هذا ليس وقت النقاش.. الذي يغضبني هو هدوءك الشديد في معالجة الأمر وكأن حياتك لا تعنيك في شيء.. المفروض الآن أن تكون خارج هذه الفيللا لا أن تكون هنا تلعب الشطرنج.
قالها ونهض..
= هيا الآن.. أجمع أغراضك ولنخرج من هذا المكان..!
ولكن حمدي أشاح بوجهه بعيدا قائلا بنفس الهدوء القاتل:-
* أرجوك يا رمزي.. اهدأ قليلا..
بدا لثوان أن رمزي سوف ينفجر مرة أخري صارخا ولكن نظرات الرجاء في عينا صديقه جعلته يصبر قليلا فجلس في عصبية منتظرا كلمات حمدي:-
* ترك تلك الفيللا ليس بالبساطة التي تتخيلها.. المشكلة أنني أصبحت جزءا منها.. لقد صرت أنتمي إليها ..
= تنتمي إليها !!
قالها رمزى بعدم تصديق .
* إن روحي ترتبط بذلك المكان.. شيء في الفيللا يجذبني إليها.. شيء قوي.. غامض وتأكد إنني لن أتخلي عنها بسبب ذلك العبث الصبياني مثل تحطم بعض الأشياء التافهة وتغيير أماكن حاجاتي.. إنني لست خائفا ولو للحظة واحدة من هذه الأشياء السخيفة.
ولكن رمزي تأكد أن حمدي كاذبا.. ما يحدث في الفيللا ليس مجرد تغيير أماكن الأشياء أو تحطمها.. إن ما يحدث فيها رهيب..
وما رآه بعد ذلك كان أكبر دليل علي ذلك ...انه لن ينسي ذلك المشهد قط.
مشهد زوجة حمدي " نادية " وهي تمر في الصالة بهدوء قاتل.. رأسها يلتفت لهما وتلقي عليهما تلك النظرة الغامضة.
في الأحوال العادية لم يكن ذلك غريبا.. ولكن.. في تلك الحالة كان ذلك سببا ليقشعر رمزي ويهتز من فرط الفزع.
لأن نادية توفت منذ أكثر من ثلاث سنوات في حادث سيارة مع ابنهم!!
انتفض رمزي من علي المقعد ناهضا وأدق شعرات جسده ترتجف وكلماته متوترة.. خائفة.. وهو يشير نحو المكان الذي دلفته نادية..
= منذ.. منذ متي وذلك الجنون يحدث.. ؟
خفض حمدي عينيه.. وهو يجيب بلهجة أقرب للخجل..
* منذ البداية..
صرخ رمزي..
= منذ البداية..!! انني لا أصدق أذناي.. هذا جنون حقيقى.. ولماذا تقول لي كل هذا إذا كنت لا تريد مغادرتها.. ولماذا تبدو متوترا قلقا هكذا ؟!
* لقد أردتك فقط أن تعرف.. أردت أن أقول ذلك لأي شخص.. ولكن ثق إن كل هذا لا يبعث في نفسي ولو ذرة واحدة من الخوف.. إنني احتاج ما يحدث هنا.. لقد كنت أتعذب في الماضي.. ولكنني الآن أعرف أن ما يحدث حاليا لى هو ما أبغيه.. حياتي عادت لي أقرب لما كانت عليه قبل موتهما .
= هذا جنون.. جنون.. ومنطق غريب لا أحتمله .. هذه ليست زوجتك التي تعبث معك.. انها لعبة من قوي غامضة لتربطك بالفيللا
صرخ حمدى والدموع تخنق كلماته :
* ألا تفهم ؟! لقد كان يجب أن أموت معهما فى ذلك الحادث.. لقد كنت أتساءل لماذا يعاقبنى الله بالحياة من دونهما .. حياتى بعدهما كانت الجحيم بعينه ..أنا بدونهما لا شىء ..بدونهما ميت ..ميت !!
صمت رمزى...يحاول إستيعاب ما يحدث وما يقال .. بدا أن محاولة إقناع صديقه شبه مستحيلة
* لقد وجدت حياتى مجددا هنا.. لقد أعطانى الله فرصة جديدة للحياة ولن أتركها بإرادتى !
قال رمزى بهدوء :
= اذا كنت تريد البقاء هنا فأنا لا أستطيع منعك ولكن إعلم أن ما يحدث الآن سوف يتحول في وقت قريب لكارثة.. كارثة حقيقية.
ولكن حمدي لم يغير رأيه.. حتى بعد ما حدث.. عندما اتجه رمزي نحو الباب حدث صوت أشبه بصرخة طفل.. ورأي " حازم " إبن حمدي الوحيد الذي مات في الحادثة مع والدته.. هناك يقف في ركن الصالة.. وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد حازم ينظر في براءة لتلك الثريا الضخمة التي تزين الصالة..
وفي أقل من ثانية اهتزت وتأرجحت في قوة .. ثم انقطعت السلاسل الحديدية التي تربطها بالسقف.. وسقطت.. كانت تتجه نحو هدف محدد.. جسد رمزي..!
حمدي تحرك.. وكأنه كان يتوقع ذلك.. إنهما يكرهان رمزي.. هذا طبيعي..!
وإحتضن جسد رمزي وقفز به بعيدا عن مكان سقوط الثريا التي أحدثت دويا هائلا عند ارتطامها بالأرض بينما قطع الكريستال العتيقة تتناثر من جراء اصطدامها بالأرض كطلقات الرصاص.
نهض حمدي من علي الأرض ومازالت تلك النظرة التائهة والحائرة تمزق مقلتيه.. بينما رمزي كان ينظر لموقع سقوط الثريا في ذهول وكأنه لا يصدق أنه مازال حيا.
ولم يعد هناك ما يقال !
*************************
عبرت سيارته بوابة الفيللا.. لم يسمع نباح كلبي الحراسة المعتاد.. هذا أفضل إنه يكرههما للغاية.. حتى مع زياراته المتكررة للفيللا لم يستطع أن يألفهما.. ولكن الآن لا يوجد أثر لهما.. كشك الحراسة الخشبي كان خاويا والسلاسل الحديدية التي تربطهما مكسورة.. وهذا لم يريحه علي الإطلاق ..ربما وجودهما الأن فى مثل هذه الظروف كان ليشعره بالأمان .
أوقف السيارة في هدوء وذلك الجزء بداخل عقله يتمني لو يستطيع أن يدير المحرك مرة أخري ويعود بالسيارة إلي حيث أتي.
فضل البقاء في السيارة لثوان وعينيه تدوران بين كشك الكلاب الخاوي والفيللا المظلمة تماما وأفكاره غارقة في ذلك الصمت والسواد.
يحاول استجماع شجاعته.. وقتل ذلك الخوف الذي بدأ في الزحف علي جسده متحدا مع برودة الجو.. ولكنه لم ينجح في ذلك.. دقات قلبه خانته.. لقد بدأت في التسارع حتى طغت علي ذلك الصمت بينما نبت عرقه البارد في جبهته وتساقط حتى أغرق قميصه.
ربما مات صديقه بالفعل ولحظتها لن يكون هناك فائدة من الدخول للفيللا سوي نتيجة واحدة سيئة وهي أن يلحق به!!
ولماذا لم يتصل بالشرطة.. أو النجدة.. كان ذلك س......
ولكن مهلا.. الفيللا ليست مظلمة بالكامل.. هناك ضوء خافت يبرز علي استحياء من الطابق الثاني.. وبالتحديد من غرفة نوم حمدي!
فتح الباب وخرج من السيارة.. تقدم من باب الفيللا وهو يتشبث بأطراف معطفه وسط موجات البرودة..
وعندما اقترب أكثر من باب الفيللا سمع ذلك النباح المألوف.. الكلبين الضخمين غير مقيدين وذلك يعني أنه هدفهما القادم.. إنهما أبدا لم يعتادا عليه..
أدار رأسه في سرعة.. يسمع النباح يقترب منه.. الرمال تتناثر هناك بالقرب منه.. الكلاب تقترب ولكنه لايراهما.. هذا غريب.. النباح علي بعد خطوات منه.. والرمال.. اللعنة.. ذلك لا يعني سوي تفسير واحد..!
عيناه تتسعان فى ذهول ..لا يرى أى شىء ..ولكن النباح يقترب ..الرمال تتفرق ..ما الذى يحدث بحق الجحيم؟!
وقبل أن يستوعب الفكرة شعر بجسد الكلب الضخم يرتمي بثقله عليه وسقط أرضا وذهول المفاجأة لا يترك أي أثر للفزع.
حاول إن يدفع بيديه شيئا لا يراه.. يديه لمستا مخالب كلب وطبق علي ما اعتقده فكيه ..وإزداد الصراع شراسة فجأة.. جسد الكلب الأخر انضم لزميله.. ركل بساقيه أحدهما.. قبض راحة يده ولكم فك الأخر بقوة لم يكن يعتقد أنه يمتلكها.. ارتكز علي راحتيه وأجبر جسده علي النهوض. .
واصل الركض نحو الفيللا ولكنه تعثر في الدرج المؤدي للباب وسقط.. مال جسده للأمام بقوة واصطدمت رأسه بأحد الأعمدة ودارت الرؤية أمامه .. دوامه سوداء هجمت علي وعيه لتغرقه تماما.. قاوم تلك الدوامة ولكن تلك الأنياب التي اخترقت جانبه جعلت مقاومته تنهار لثوان.
النباح.. الدوار ..والألم يتحالفون ضده بلا رحمة وأغمض عينيه لثوان.. ويديه تحاولان الدفاع عن نفسه بإستماتة..
قاوم في يأس.. نهض مترنحا ويديه تمسكان بجانبه وتحاولان الضغط علي ذلك الجرح المؤلم.. وصرخ.. صرخ باسم صديقه والدوامة تتسع في عقله وجسده يرتمي علي باب الفيللا الذي انفتح في غرابة.. سقط بالداخل أرضا ولكنه استند علي مقبض الباب ليرفع جسده ويغلق الباب خلفه في سرعة.. لمح الظلام يغرق المكان بالداخل بينما نباح الكلبين علي الجانب الأخر.. مازالا يحاولان الوصول اليه وينبشان في الباب بمخالبهما.. يده تمتد في حركه تلقائية ملتهبة لتبحث عن مفاتيح الاضاءة.. ولكنه لم يجدها.. الدماء تندفع من جانبه.. والكلاب اللعينة.. يداه تهتزان في ألم.. لزجتان من أثر الدماء التي تغطيهما.. يبحث في الجانب الأيسر بيديه اليمني بينما اليسري تدق علي الباب من فرط قسوة جرحه..
حمدا لله.. ها هي.. وضغط علي الأزرار.. وأضيئت أضواء البهو دفعة واحدة لتبهر بصرة لثانية.. بعدها.. رأي ما كان يواجهه.. وبدأ الكابوس الحقيقي0
******************
الإثنان كانا هناك.. !
نسي الألم الذي يجتاح جسده ولم يستطع منع تلك القشعريرة وهي تخترق عظامه وترجه..
" نادية " هناك.. تجلس علي الأريكة الضخمة المواجهة لباب الردهة.. بينما حازم يجلس علي الأرض.. يلعب بذلك العقرب0
الآن يعلموا جيدا كيف يخيفونه.. أكثر شيء ممكن أن يخيفه في هذه الدنيا هي العقارب.
* ما الذي تريده؟!
نادية تكلمت ولكنه يقسم أنه لم ير شفتاها تتحركان علي الأطلاق.. بينما عينيه تتابعان العقرب فى تحفز .
= ما الذي فعلتوه له؟!
خرجت كلماته متقطعة.. لا تعبر بأي حال من الأحوال عن الجرأة التي يحاول أن يزيفها.. الآن يندم فعلا علي مجيئه.
ابتسمت وعيناها تلمعان..
* أنت خائف!
انها مخطئه بالتأكيد.. انه مرعوب!
قالتها واختفت من علي الأريكة.. وانتفض أكثر وازداد جسده التصاقا بباب الفيللا ..ولكن صوتها إخترق أذنيه وشفتيها تكاد تلمسهما مع زفير أنفاسها الساخنة الذي ألهب عنقه..
* إنها نهايتك !!
إلتفت في سرعة متوقعا أن يصطدم بوجهها.. ولكنها ليست هناك..!
نظر الي حازم الهاديء تماما بينما مازال يلعب بالعقرب.
" رمـــزي "..!
صرخة مروعة تنادي بإسمه وتأتي من الطابق الثاني.. الآن عقربان يعبثان في يدي حازم..
نظر الي الدرج.. يفكر في الركض نحو الطابق الثاني ولكنه يخشى ما يمكن أن يراه بأعلي..
تقدم خطوة للأمام في حذر.. وعيناه تبحثان عن نادية التي اختفت تماما0
" رمــــزي" ..!!
مازال الصراخ يتردد.. صراخ رجل يتعذب.. ينادي في يأس0
الآن يري حلقة من العقارب تعبث حول الفتي.. خطوة أخري نحو الدرج ولكنه تراجع فجأة مجددا.. نادية هناك ظهرت علي الدرج وحلقة أخري من العقارب تعبث حولها..
الآن حلقة العقارب حول الفتي تتركه وتتجه نحو رمزي.. عشرات تتكاثر لمئات.. وفيضان من العقارب يخرج من كفي نادية الممدودتان..
تراجع أكثر في فزع ويداه تلمسان مقبض الباب بلهفة ولكن ذلك الملمس الغريب في يده جعله ينتفض في تقزز.. لقد كان أحد العقارب.. إنها هناك تزحف في كل مكان.. علي الباب.. علي الجدران.. علي السقف..
* هل تخاف من العقارب يا رمزي.. ؟!
قالتها بنفس الهدوء الساخر.. بينما جسده ينتفض في هلع ورأسه تدور في كل مكان بحثا عن مخرج..
الهرب الآن بات مستحيلا لقد وقع حتى أذنيه في ذلك الفخ المميت..ولا يوجد حل سوي محاولة إنقاذ صديقه في الطابق الثاني مهما كانت النتائج..
أخذ قراره في ثانية.. أخذ يركض نحو الطابق الثاني.. ذراعيه تنفضان العقارب التي سقطت عليه من السقف.. وساقيه تركلان أكبر قدر ممكن من العقارب في طريقه..
كان علي بعد خطوات من نادية.. عندما شعر بذلك الألم المباغت في ساقيه.. ثم ذلك الخدر في جانبه.. إنه الآن ينهار.. الدوار يهاجمه بنفس القوة.
وشعر لحظتها بتلك الرياح.. هواء ساخن ينبعث من كل مكان.. وارتفع ذلك المقعد الضخم في الهواء وانقض عليه كالسهم.. لم يستطع اتخاذ قرار ما في هذا الجزء من الثانية.. ارتطم المقعد بوجهه في قوة ليطرحه أرضا والدماء تغطي وجهه0
وإتجهت نحوه العقارب .. زحفت على جسده حتى غطته!
إنها نهايته.. الرياح الساخنة تدور في الفيللا.. العقارب تغطيه بينما بقيتها تدور حوله في الهواء.. شعر أن الغرفة كلها تطير حوله بكل ما فيها أو هو الذي يطير في الغرفة ووسط ذلك الكابوس رأي نادية تقفز من علي الدرج ويطير جسدها في الهواء وحازم يتبعها..
ملامحهما تتغيران وصرخاتهما تملأ المكان :0
* ماذا بك يا رمزي.. هل مازلت تريد إنقاذ صديقك؟
وجهها يقترب منه.. رهيبا.. بعينان اختفي سوادهما ووجه شاحب بلا نقطة دماء0
* هل أعجبك الخوف..؟ لماذا عدت أيها اللعين..!!
لدغات العقارب تنقض بلا رحمة علي كل جزء في جسده0
الموت الآن قريبا.. يراه أقرب إليه من نبضات قلبه التي يشعر بها تدوي كالطبول من جراحه0
حسنا لم يعد يتحمل..إنه الآن يستسلم.. يبدو أنه لم يعد هناك جدوى من المقاومة0
و.. إنه هناك.. حمدي يخترق كل ذلك.. يبزغ فجأة من اللامكان.. يمد نحوه يديه مستنجدا ..و ..مهلا ..إنه ليس حمدي الذي يعرفه.. إنها ملامح حمدي بالفعل ولكن.. عيناه بيضاء كالثلج مثل نادية وحازم.. وتلك العروق الزرقاء النافرة تغطى جسده كله.
وصوته.. يخرج كما لم يسمعه من قبل0
* لقد اختارك المنزل للإنضمام إليه!
ودوت الضحكات أكثر.. صاخبة في البداية.. ثم بدأت تبتعد.. وتبتعد .
************************
* رمزي.. رمزي !
الكلمات تقترب الآن .. تأتي من مكان بعيد ولكنها تجاهد للاقتراب.. كشخص يحاول اختراق الزحام بصعوبة.. تدفع أمامها كل الصراخ والضحكات الغريبة ودقات الطبول0
الكلمات كانت صعبة الفهم.. فقط كان يتردد صداها بلا نهاية ولكن بعد ثوان كانت تقترب وتعلو نبرتها حتى امتلكت حواسه كلها وأيقظته.. نعم.. أيقظته.
فتح رمزي عينيه.. هز رأسه في قوة ليقتل أخر لمسات الخمول يحاول استعادة حيويته المفقودة.. بدا حائرا للحظات يحاول أن يخمن الوقت و المكان بصعوبة بالغة.. وأول نظراته وقعت علي وجه حمدي.. كاد أن يصرخ في فزع ولكن عقله سرعان ما أسعفه وأعاد اليه ذاكرة افتقدها للحظات.. فقال وهو يعصر جبهته براحة يده:-
= آه إنه أنت يا حمدي..
حمدي كان مائلا بوجهه عليه ويداه تستعدان لضربه أخري علي صدغيه لتساعده علي الاستيقاظ .
* نعم.. لقد سمعت صوت الكلاب تنبح في جنون فوجدتك هنا فاقد الوعي علي درج الفيللا والكلاب تحيط بك0
= أه.. تلك الكلاب اللعينة! لقد عقرتنى !
وتذكرالكلاب.. هل كانت خفيه بالفعل.. أم أنه ذلك الظلام والخوف؟؟ وتحسس مكان الجرح ولكنه لم يجده ..كل ذلك كان كابوسا ما ..هل كل ذلك من جراء إصطدامه بالعامود الخشبى ؟؟
* أسف جدا يا رمزي.. لا أعلم كيف حطمت الكلاب السلاسل.. انه خطأي بالتأكيد..!
وماذا عن ذلك الكابوس الذي رآه.. إنه يبدو أقرب للحقيقة منه إلي.....
أنهضه حمدي من علي الأرض وبقايا الدوار تجعل سيقانه تقفان بالكاد ..وترنح لثوان..
* ماذا.. ماذا بك؟
هز رأسه في قوة ليحاول التركيز ويقف ثابتا0
= لا أعلم ربما الدوار الذي أصابني من جراء الارتطام بذلك العامود.. ولكنه.." قال فجأة وكأنه تذكر شيئا ما".. لماذا اتصلت بي.. ما الذي حدث..؟
* هناك.. إنه بداخل الفيللا.. إنه الكابوس الحقيقي يا رجل0
= ولكن لماذا لم تتصل بالشرطة أو..
قاطعه حمدي بانفعال غريب وعصبية لم يراها في حياته..
* إنهم لن يفهموا.. إنهم مجموعة من الحمقى والأغبياء..الذين....
استمر في السباب بعصبية والتلويح بيده ورمزي يلاحظ أنه هناك شيئا غريبا في عنقه.. شيئا لا يراه بصورة جيدة بسبب الظلام0
* رمزي أنت الوحيد الذي ستفهم.
قالها وهو يفتح باب الفيللا.. ودخل مسرعا بينما تردد رمزي لثوان.. ومضات سريعة من رؤيا سوداء هاجمت عقله بشراسة.. إنه يتذكر الخوف.. والعقارب.. وتلك الأشباح..
* لماذا تقف هكذا؟! هل أنت خائف ؟
أجاب مترددا :
= ربما لن تكون تلك فكرة جيدة علي الإطلاق..
* ما الذي تعنيه..؟!
= أعني أنني جئت للاطمئنان عليك وأنت هنا بأفضل حال علي ما أعتقد..!
الآن بدأ حمدى يتكلم مجددا بنفس العصبية :
* هل نسيت الصراخ في الهاتف.. ألا تريد أن تعلم ما الذي أواجهه هنا بمفردي.. إنني أحتاجك يا رمزي0
إنه يشعر انه يكرر غلطة ما..أفضل شىء ممكن أن يفعله حاليا هو أن يذهب..
* لماذا التردد يا رمزى ؟ ألا تريد مساعدتى .
إنه الأن يضرب على الوتر الحساس ..
* يجب أن تثق بى ! ألست صديقك ؟
نظر له رمزى فى حيرة ..لا يعرف ما الذى يفعله ..
ولكنه قاوم رغبته في المغادرة .. نفض كل تلك المخاوف السوداء عن عقله ودخل الفيللا.
عيناه كانتا تتفحصان البهو وكأنه ينتظر هجوما خفيا بينما تقدم حمدي نحو احدي الغرف الجانبية0
* هناك.. في هذه الغرفة0
هز رمزي رأسه في حيرة:-
= ما الذي يوجد هناك؟
* ستفهم كل شيء حالا ولكن إسرع أرجوك0
قالها حمدي في انفعال وهو يفتح باب الغرفة وخلفه رمزي.. أضاء الغرفة وأشار نحو صوان به العديد من الأدراج..
* افتح الدرج العلوي وسوف تجد مفاجأة0
=حسنا.. لن أسأل المزيد من الأسئلة.. سوف أسير معك حتى النهاية لنري ما تريده ثم أرحل من هنا0
لن يعترض مجددا حتى لا يكرر حمدى شريطه المبتذل عن الثقة والصداقة .
إتجه نحو الدرج وفتحه في قوة حتى يقضي علي تردده.. وفجأة انقبضت عضلات جسده كلها وارتعدت.. وشعر بقلبه يقفز نحو حلقه0
بداخل الدرج.. يعبث.. ويتلوى.. شيء ما.. من رؤية ليست ببعيدة يخترق جدار خوفه0
إنه ..عقرب !!
* ماذا.. هل يذكرك بشيء ما..
التفت في سرعة نحو مصدر الصوت.. كانت " نادية ".. علي احد المقاعد بنفس الابتسامة الساخرة التي رآها من قبل..
ركض نحو باب الغرفة كالمجنون.. ولكن الباب انغلق بقوة هناك وبجانبه يقف حمدى .
الآن يعرف ما الذي كان يوجد في عنق حمدى.. إنه عروق زرقاء تعدو بسرعة لتنتشر كشبكة العنكبوت وتغطي عنقه ووجهه0
وجاءت تلك الكلمات لتنهي كل شيء
* لقد اختارك المنزل لتنضم إليه..!
أدرك في لحظات أشبه بالغيبوبة أن ما رأه لم يكن كابوسا..
العقارب كانت تندفع من كل مكان ..وحازم يضحك فى جنون ..
لم يكن كابوسا بل كان أشبه بالنبوءة.. نبوءة رهيبة ولكنه لم يفهم..
وخنقه الصمت.. وغمره ظلام الموت0


تنويه واجب
القصه منقوله
تمت بحمد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق