أخبار البي بي سي عربي

السبت، 21 مايو 2011

جسر مصاصى الدماء

الثانية صباحاً..
لكن الجو ليس مُظلماً، لأن القمر كان هناك يرسل نوره الفضى على المكان ويكشف

معظم ملامحه..وكل مرة أنظر فيها إلى القمر لا أعرف لماذا أتخيله وجهاً ضخماً
يلقى نظرات غامضة كمصيرى..!
أقف وحيداً على الجسر الذى يربط بين قريتين لا أعرفهما لأننى تائه منذ ساعات

بين التلال أبحث عن شخص لينقذنى ولكننى فشلت فى ذلك، فلم يعبر أحد بين تلك
التلال ولم يأت بشرى لهذا الجسر الذى وجدته بعد أن قربت سيقانى على الإنهيار..
من المفروض أن ذلك الجسر هو نقطة الإتصال الوحيدة بين القريتين، لذلك يجب أن

تمر أى سيارة على الأقل..ولكن لا يوجد أى شئ..!
أمعائى تتلوى من فرط خوائها والإجهاد يستعمر جسدى..إجهاد شامل فى كل

أعضائى.
أعتقد أننى لو نظرت إلى المرآة الآن فسأرى وجهى كوجوه الأشباح..شاحباً..

مخيفاً..وتحت العينين انتفاخات بارزة تبدو كالوسائد..
ولكن بينما أتطلع فى يأس إلى الطريق إذ لمحت أضواء إحدى السيارات تقترب من

الجسر..شعرت بارتجافة من السعادة تصعق جسدى وانقلب كل خمولى وتعبى إلى
حماس غريق يلقى إليه بطوق النجاة..
إنها شاحنة سوداء..متوسطة الحجم..تلمس عجلاتها أول أمتار الجسر..أشرت

لقائدها فى جنون:
- " توقف..بالله عليك توقف.. "
إنها فرصتى الوحيدة ولن أدعها تضيع..
لم أفعل إشارة (الأوتوستوب)..إنها للمرفهين الذين يقفون فى طريق تمر به عشرات

السيارات..أما فى حالتى تلك فيجب أن أصرخ أو أتوقف أمام الشاحنة فى حركة
انتحارية لإجبار قائدها على التوقف، ولكنها - لحسن الحظ - توقفت بجانبى بفرملة
قوية قبل أن أقوم بأية حركة يائسة..
فتحت الباب بلهفة جائع يفتح ثلاجة ضخمة وجلست جوار السائق وابتسامتي البلهاء

تملأ وجهى..
- " شكراً للغاية..إننى لا أستطيع أن.."
قاطعنى بصوت جاف:
- " أغلق الباب أولاً "
تنحنحت فى إحراج وأنا أغلق الباب وعبارات الشكر تنكتم فى حلقى.. ولكننى

بالرغم من لهجته الحادة إلا أننى ينتابنى الآن شعور لذيذ بالاسترخاء بعد كل ذلك
القدر من التوتر والإرهاق..
ألقى على وجهى نظرة حادة ثم قال:
- " ما الذى جاء بك إلى هنا ؟! "
قال سؤاله فى لهجة عجيبة وكأنه يبصق الكلمات. نظرت إلى وجهه فوجدته شاباً لا

يتجاوز الخامسة والثلاثين..ملامحه حادة وكأنه تمثال..أنف رفيع مدبب..وجه ذو
عظام بارزة وعينين ضيقتين..إنها أقرب لملامح المجرمين التقليديين الذين تراهم
فى الجرائد يومياً..
- " هل هناك مشكلة فى أذنك ؟ "
أفقت من شرودى فى ملامحه، وقلت فى هدوء:
- " لا توجد مشكلة فى أذنى..إننى أسمع جيداً للأسف."
- " إذاً لماذا لا تجيب سؤالى ؟ "
لا أعرف لماذا يعاملنى بكل هذا العداء..
- " لقد ضللت الطريق بين التلال ولم أجد أمامى سوى الجسر. "
نظرة أغرب من لهجته يلقيها على عنقى ثم تلك الجملة الذكية:
- " أنت لست من أهل البلدة إذن !"
- " معنى أننى تائه بين التلال أننى لا أعرف المنطقة ومعنى ذلك أيضاً أننى لست

من تلك البلدة "
- " كنت متأكداً من ذلك "
صمت لثوان وكأنه يتوقع تساؤلاً منى ولكنني لم أتكلم فأدار وجهه نحوى لثانية ثم

أعاده ليحدق فى الطريق قائلاً بلهجة شبه هادئة هذه المرة:
- " أتعلم لماذا تأكدت أنك لست من أهل البلدة ؟ لأنه لا يوجد فى البلدة ذلك

الشخص الذى لديه الجرأة الكافية ليأتى إلى هذا الجسر."
برغم أننى كنت أفضل عدم مواصلة الحديث إلا أن ذلك التساؤل خرج رغماً عنى:
- " وما السبب فى ذلك ؟ هل الجسر ضعيف مثلاً أو.."
ولكنه قاطعنى وكلماته الغريبة تتوالى:
- هل تؤمن بوجود مصاصى الدماء ؟!
***************************
يقولون أن تلك الحادثة كانت منذ أسبوع تقريباً..
شاحنة سوداء مثل التى أركبها الآن تمر على نفس الجسر فى طريقها إلى القرية

المجاورة..
وقرب منتصف الجسر شهق قائدها فى ألم وشعر وكأن خنجر حاد ينغرس فى قلبه

والهواء لا يجد طريقه إلى صدره بينما الألم يزحف فى سرعة جهنمية من صدره
إلى أطرافه..
لقد أصيب بأزمة قلبية..
ومن فرط الألم أظلمت الدنيا أمام عينيه لثانية أو أقل كانت كافية لترتجف عجلة

القيادة بين يديه ثم تفلت منه..
اهتزت الشاحنة فى شدة ثم انحرفت لترتطم بالحاجز المعدنى للجسر، ثم عادت

للطريق لتنحرف مجدداً وتغادر حدود الطريق بعد أن فقد قائدها السيطرة تماماً عليها
وهو يقبض على صدره بكلتا يديه محاولاً إيقاف الألم أو التنفس وتلك الرغوة
البيضاء تتقافز من جانب فمه..
وفى هذه الثانية فقدت الشاحنة اتزانها تماماً..ارتطم جانبها الأيسر بالحاجز وارتفعت

عجلاتها لتفقد ارتباطها بالأرض ثم انقلبت فى الهواء لتسقط على ظهرها..
وفى نفس الوقت تقريباً كان رجل وابنه الصغير الذى لا يتجاوز العاشرة فى سيارة

تسير خلف الشاحنة وتفصلهم عنها مسافة مائتى متر تقريباً..
ورأى الأب ما حدث فزاد من سرعته ليحاول إنقاذ ذلك المسكين..وبينما يقترب

بسيارته إذ رأى ذلك الرجل المتشح بالسواد وهو يجذب الجسد المصاب من نافذة
الشاحنة..
وبلغت السيارة مكان الحادث وغادرها الأب وولده فوجدا ذلك المنقذ يميل برأسه

على جسد الرجل ويختبر نبضه..
- " ما مدى إصابته ؟! "
قالها الأب ثم..ثم التفت إليهما ذلك الرجل الغامض..أدار رأسه فى سرعة خرافية

وكأنه فوجئ بهما..وتوقف الأب وابنه..تجمدا فى مكانيهما مشدوهين..
لم يتابعا الاقتراب من الرجل، فما شاهداه كان يفوق الوصف!
ذلك الرجل لم يكن يفحص النبض بل كان يفعل شيئاً آخر..وجهه شاحب..عيناه

واسعتان لدرجة غريبة يغمرهما بياض شاهق وفى منتصفهما نقطتان حمراوان
تحدقان فيهما..
ومن فمه برز النابان فى توحش..على ذقنه وحول فمه تسيل الدماء القانية..بينما

فى عنق الرجل المصاب كان الجرح ضخماً..مجرد كتلة دموية من اللحم الممزق
وجسده ينتفض فى مشهد مروع..
وبعد تلك اللحظة التى شاهدا فيها كل ذلك الرعب..لم يكن هناك سوى الفرار..
الطفل يعدو بأقصى طاقة فى جسده الصغير وهو يطلق صرخات مكتومة مقبضة

والأب خلفه وهو يتمنى ألا يطاردهما ذلك الشئ..
- " إتجه نحو السيارة..بسرعة."
قالها الأب صارخاً لطفله الذى لم يكن بحاجة لحثه على ذلك لأنه بلغ السيارة بالفعل

وفتح بابها ولحق به الأب وهو ينظر خلفه نحو ذلك الرجل فوجده ما زال بجانب
الجثة يلعق الدماء التى تحيط بفمه، فحمد الله أنه لم يطاردهما واتخذ مكانه أمام
عجلة القيادة وابنه بجانبه وأدار المحرك لينطلق بالسيارة ويتجاوز ذلك الرجل
ولكن..
تحطم زجاج السيارة فجأة وتناثرت الشظايا تجرح وجهيهما، وتلك الكتلة من السواد

تهبط على مقدمة السيارة وتفاجئهما..
حرملة الرجل السوداء تطير كأجنحة الخفافيش وهو يقبض على عنق الأب ويجذبه

من السيارة..
- " أبى..!"
قالها الابن فى توسل..هتاف أقرب إلى الصراخ وهو يمد يديه الصغيرتين محاولاً

إمساك جسد والده..
كيف قطع ذلك اللعين المسافة فى أقل من ثانية ؟!
لقد كان هناك بجانب الشاحنة..إنه يبتسم تلك الابتسامة الشبقة..أو لا يبتسم ولكنه

يفتح فمه الدموى فى جوع..
السيارة تفقد اتجاهها..والابن ما زال يصرخ..والأب يستسلم لتلك الأنياب التى

انغرست فى عنقه وهى تجذبه للخلف..والعذاب الهائل الذى يجتاح جسده..
ولكنه هتف بآخر قوة فى جسده:
- "اقفز من السيارة."
وللأسف..كان ذلك متأخراً، فقد حطمت السيارة حاجز الجسر واندفعت فى الهواء فى

طريقها نحو النهر..والكيان الأسود الغامض يجذب جسد الأب ويطير فارداً حرملته
ليهبطا على أرض الجسر وما زالت أنيابه منغرسة بالعنق بينما السيارة تسقط فى
النهر وتهبط للأعماق..
وشاهد أحد الأشخاص السيارة وهى تسقط فى النهر أثناء عبوره للممرات الموجودة

بين التلال، فأخذ يعدو بأقصى سرعته لإحضار مساعدة من أهل القرية لإنقاذ من
بداخل السيارة..
وذهب خمسة رجال للجسر..
ولم يعودوا..!
وانتظرهم الجميع..ساعة..ساعتين..ثلاثة..ولكن بلا أية نتيجة..
وخرجت فى أثرهم مجموعة أخرى..ولكنهم هذه المرة مسلحين بأسلحتهم البيضاء

وعصيهم، بعد أن أشار أحد الرجال إلى احتمال وجود بعض قطاع الطرق..
ذهبوا فى إحدى السيارات..واختفوا تماماً..لم يرهم أى شخص بعد ذلك..وفى

الصباح تشجع الجميع..وذهبوا للجسر..ووجدوا السيارة الخاصة برجالهم مقلوبة
على الجسر..ووجدوا الأسلحة والعصى..ولكن لا يوجد أثر للرجال..أو حتى
لجثثهم..
وبحثوا فى التلال..والنتيجة صفر..ثم غطس البعض فى قاع النهر كحل أخير..ولم

يجدوا سوى السيارة الأولى وبداخلها جثة الطفل الذى مات غرقاً..
وفى اليومين التاليين توالى اختفاء من يعبر الجسر ليلاً، وتناثرت الشائعات أو

الحقائق..فلا أحد يعلم بالضبط، لأنه لا يوجد من ينفى أو يؤكد..
قال البعض أنهم شاهدوا شاحنة سوداء تصطدم بأية سيارة تقابلها على الجسر ليلاً

وتدفعها للسقوط فى النهر..وجاءت أنباء من القرية المجاورة عن مجموعة من
الرجال يبثون الذعر فى قلوب أهل القرية..ليسوا لصوص أو مجرمين عاديين..بل
أقرب للضوارى..يهاجمون الضحايا ويمتصون دماءهم بلا رحمة..
وسخر البعض من كل ذلك..وقرروا أن يذهبوا للجسر ليلاً..كانوا بعض مفتولى

العضلات الذين لم يصدقوا خوف الآخرين، ولم يريدوا أن يصدقوا خوفهم..وذهبوا
هناك..والنتيجة معروفة..حتى تلاشت السخرية إلى الأبد..
لقد تأكدوا أن هناك شيئاً مجهولاً على الجسر..شئ أكبر من الفكرة المجردة أنه

ربما يكون ذلك أحد السفاحين أو بعض اللصوص..
فكرة مخيفة كانت تتجسم فى عقولهم لشئ شبه بشرى جاء فى ليلة سوداء إلى

الجسر وفى تلك الليلة هاجم رجلين وحولهما إلى مصاصى دماء..
أحدهما يقود شاحنته..يعبث مع العابرين ويحطم سياراتهم ثم يقضى عليهم..والأخر

يكمن هناك فى مكان ما بجانب الجسر ينتظر ضحيته فى صبر..
والاثنان يشتركان فى نفس الملامح..
الأنياب الحادة المتشوقة للدماء..وذلك الجرح العميق فى عنقيهما..
****************************

- "هذا ما يقولون أنه حدث..!"
قالها السائق بلهجة لامبالية بعد أن زالت النبرة العدوانية من كلماته ثم عاود نظرته

المتجمدة للطريق..تساءلت:
- "ولم يعبر أحد الجسر حياً بعد ذلك ؟! "
- "إنهم يؤكدون ذلك."
- " وكيف يذهبون إلى القرية المجاورة ؟"
- " يقطعون طريقاً طويلاً جداً يخترق التلال."
- "ولكننى لا أفهم..كيف تعرف تلك القصة بتلك التفاصيل وتعبر الجسر..؟"
قطب حاجبيه وهو يقول فى شبه ضيق:
- " لأننى لا أصدق هذه الخرافات..هل تعتقد أننى على استعداد لإضاعة ساعة كاملة

فى الالتفاف حول مجموعة من التلال، فى حين أننى أستطيع قطع المسافة للقرية
المجاورة فى ربع الساعة..إننى مرتبط بمواعيد للتسليم."
الآن بدأت أكون فكرة ما عن ذلك السائق..إنه ينقل شحنة ما إلى إحدى القرى..

ويبدو أنه هو أيضاً ليس من سكان المنطقة مثلى..
ولكننى أتخيله جالساً فى أحد المقاهى لاحتساء كوب من الشاى قبل أن يكمل

رحلته..وهناك يعلم أحد العجائز أنه سيسلك طريق الجسر فينصحه بألا يفعل ذلك
ويحكى له تلك القصة الطويلة التى سمعتها منذ قليل..وينهيها بجملة تحذيرية يحاول
أن يضع بها ما يكفى من الرعب لإخافة السائق..
- "إياك والجسر..لن تعبره حياً."
ثم وجد السائق فى شخصى المتواضع الفرصة لكى يخيفنى كما أخافه العجوز من

قبل..ولكننى بالطبع لم أخف لأننى..
كلمات السائق تقطع أفكارى:
- " كما أننا قطعنا مسافة لا بأس بها من الجسر..هل رأيت أى مصاص دماء ؟! كل

هذا هراء !"
الجسر لا يريد أن ينتهى..والرياح تهاجمنا من نوافذ الشاحنة المحطمة تماماً..رياح

جافة دافئة لا تريد أن تخفف من تلك الحرارة الصيفية التى تخنقنا..
التفت نحو السائق..كنت بصدد أن أقول شيئاً ما..ولكن نظرة منى لعنقه جعلتنى

أنتفض..
لقد حرك الهواء ياقة معطفه فانزاحت لتكشف ذلك الجزء فى عنقه..ورأيت ذلك

الجرح الغائر وكأنه يلتمع فى الظلام..!
أدرت وجهى سريعاً حتى لا يلاحظ نظرتى له، ومشاعر غريبة تتصارع بداخلى ثم

كان هذا التساؤل:
- " تقول أن هناك ذلك ال..مصاص الدماء..هنا على الجسر؟!"
- " لست أنا الذى أقول..بل القرويون هنا."
- " ويقود شاحنة سوداء مثل شاحنتك هذه..و..لديه ذلك الجرح فى عنقه ؟!"
أومأ برأسه مبتسماً وكأنه سعيد لأنه استطاع إخافتى..ولكن فكرة ما غريبة لأول مرة

تحتل عقلى..أفكر فى الخوف..التساؤل يرتجف فى أعماقى..تساؤل متوتر كأعصابى
عن كنه ذلك الشعور المسمى بالخوف..
حتى ولو كان الرجل قوياً وشجاعاً إلى أقصى درجة..ألا يدركه الخوف ؟! ألا

يدركنى أنا الخوف ؟! إننى أعرف الشئ الذى يخيفنى...إنه الموت..
وأخاف أن يكون ذلك الرجل الباسم بجوارى مصاص دماء، لأن ذلك لو كان صحيحاً

فسيكون الصراع رهيباً..
نظرت له..أتفحص ذلك الجرح..هل يبدو وكأن شخصاً ما قضم عنقه أو..
- " مصاص دماء ! "
- "ماذا قلت ؟!"
- " أنت تعتقد أننى مصاص دماء..أليس كذلك ؟!"
لم أجب..وكأن هذا اللعين يقرأ أفكارى ويلمس مخاوفى..
مد يده اليمنى يتحسس عنقه..بالضبط فى المكان الذى يوجد به الجرح..وهو

يضيف:
- " نعم هناك جرح غائر فى عنقى وأقود شاحنة سوداء، ولكن..هل هذا يؤكد

حقيقة كونى مصاص دماء ؟!"
نظرت له فى شك..ربما كل ما يحدث حلقة صغيرة فى سلسلة لا تريد أن تنتهى من

العبث..
- "لماذا لا تجيب ؟! هل تخاف منى بالفعل ؟! إننى أمزح."
أحاول أن أقول أى شئ..فقط تصدر منى ابتسامة سخيف صفراء..وهزة صغيرة

لعنقى لا تعنى أى شئ..
أخذ يضحك ضحكة معدنية:
- " أو أننى لا أمزح..ولكن فى هذه الحالة يجب أن أقتلك بسرعة لأن الوقت بدأ

ينفذ."
إنه لا يعطينى أى فرصة للتفكير..!
لماذا لا أتكلم ؟! ولماذا تغير صوته هكذا..؟! أم أننى أتخيل حدوث ذلك ؟!
والسؤال الأهم..هل بدأت أخاف بالفعل ؟!
وقطعت تلك الشاحنة القادمة خلفى تساؤلاتى..ظهرت فجأة وسرعتها تتزايد..بينما

الغبار يتطاير حولها وكأنه يدفعها، وأخشاب الجسر تتقافز فى تتابع مجنون..
- " كيف ظهرت تلك الشاحنة فجأة ؟!"
السائق صار وجهه شاحباً وكأن الدماء قد تبخرت من جسده، بينما يداه ترتعدان

على عجلة القيادة، وعيناه تنظران إلى المرآة الجانبية فى ترقب..
نظراتى تتنقل بين وجه السائق والشاحنة خلفنا..ثم سؤالى الثانى للسائق وكأنه فى

حالة تسمح بتلقى الأسئلة:
- " هل يمكن أن تكون هذه الشاحنة هى التى يتحدث عنها الناس ؟!"
كل ثقة السائق وشجاعته اللذين كان يرعبانى منذ قليل تحولا فجأة إلى توتر وقلق لا

ينتهى وهو يهتف فى انفعال:
- " لا أعرف..! لا أعرف..!"
زجاج تلك الشاحنة لا يعكس شيئاً سوى السواد..ولونها..ما لونها بالضبط ؟! إننى لا

أستطيع تحديده فى هذا الظلام..
كلمات السائق تؤكد حقيقة كنت أخشاها..
- " أعتقد أنها ستصدمنا."
- " هل تظن أنها قادمة من أجلنا ؟!"
- "نعم !"
وأنا لا أعرف لماذا صار الجسر ضيقاً هكذا..اعتقدت أنه يضيق ويضيق ويدفع تلك

الشاحنة إلى الاصطدام بنا والنتيجة لن تكون فى صالحنا على الإطلاق..
المسافة بيننا تتضاءل..فقدت أعصابى و صرخت :
- ألن تفعل شيئاَ..؟!
وفعل شيئاً بالفعل..عندما إقتنع أن سرعة شاحنته لن تستطيع الفوز فى تلك

المطاردة أدار عجلة القيادة لينحرف بالشاحنة يميناً فى حركة غاية فى الحدة كادت
أن تقلبها، ثم ضغط الفرامل بقوة لتتوقف الشاحنة بجانب حاجز الجسر وأعناقنا ما
زالت ملتوية للخلف لتراقب الكابوس القادم..
- " ما زالت تقترب..!"
قالها السائق وكأنه يكلم نفسه، وأنا أحدق فى الشاحنة والثوانى تتبخر..سيكون

إصطداماً عنيفاً..لن ينجو أحد من تلك الكارثة !
كان السائق أسرع منى فى رد الفعل..فتح باب الشاحنة ثم قفز منها بحركة لم أرَ

أرشق منها فى حياتى، وبالطبع الجبن هو الذى صنعها..
وامتدت يدى أيضاً محاولاً فتح الباب..
اللعنة..!
الشاحنة تقطع عشرة أمتار فى ثانية واحدة..ولكن يبدو أن الباب عالق ولا يريد أن

ينفتح..
إنها قادمة ولا تتوقف أو تقلل من سرعتها بل تزيدها..
لا فائدة..!
يدى تحاول فى يأس مع الباب بينما السائق يلتصق بحاجز الجسر وعيناه تتابعان ما

يحدث فى رهبة..أغلقت عيناى لثوانِ متوقعاً الإصطدام المقبل !
سمعت صوتها يقترب منى ويكاد يخترق أذناى، بينما أشعر بوهج أضوائها يغمر

وجهى..ثم..انتهى كل شئ..
الثوانى تمر بطيئة الآن..دقات قلبى تتزايد..وما زلت مغلقاً عينى..ولكن لم يحدث أى

شئ..فتحتهما فى حيرة فلمحت الشاحنة تبتعد عنا والسائق يهتف فى انفعال:
- " لقد تخطتنا الشاحنة ولم تصطدم بنا.."
أحاول احتواء توترى والخوف الذى تملكنى منذ ثوان، بينما السائق غارق فى

الضحك بعصبية واضحة وهو يجلس فى مكانه أمام عجلة القيادة..
مسحت العرق الذى ينهمر على وجهى الشاحب، وأنا أطلق زفرات متواصلة لتهدأ

أعصابى قليلاً.
- " هل تصدق هذا الجبن ؟!"
قالها السائق فى سخرية وهو يدير الشاحنة وينطلق بنا..امتدت يدى لأفتح الباب

فانفتح فى سرعة وكأنه يستفزنى..!
- " هذا الباب اللعين كاد يوقف قلبى !"
- " يا إلهى إنها مجرد شاحنة عادية..وخوفنا خيلها لنا وكأنها تطاردنا وتريد

القضاء علينا..إننى لم أكن أعلم أننى جبان لهذه الدرجة.."
منذ دقائق تكلم فى كبرياء عن احتقاره للخوف، بل ويحاول أن يخيفنى..وعند قدوم

أول شاحنة يقفز ويحتمى بالحاجز..لقد اكتشفت الآن حقيقته..وبالتأكيد ستنتهى
لهجته العدوانية وتلك النفخة الكاذبة التى لا مبرر لها..
نظر لى فى خجل وكأنه يعلم كل ما تحدثنى به نفسى..ولوهلة تخيلته يمسك جاروفاً

كبيراً ويلملم أشلاء كبريائه التى ملأت الجسر منذ قليل فانفجرت ضاحكاً كما لم
أضحك من قبل..
قال خجلاً:
- " لا أعرف ما الذى حدث لى..كل ما أعرفه هو أننى خفت من الموت..لقد أدركنى

شعور رهيب بأن حياتى ستضيع فى لحظة واحدة وأننى لن أرى زوجتى ولا
أطفالى..إنها فكرة مروعة.."
إننى أفهم ما يعنيه..الخوف من الموت أقسى أنواع الخوف..بل أقسى من الموت

نفسه..ولكنى لم أملك إلا أن أشعر بالغيرة..عندما ذكر زوجته وأطفاله،، فقد بدت لى
حياتى - فجأة - سوداء وفارغة..واجتاحنى شعور بالندم بسبب وحدتى..
ومرت بعد ذلك الثوانى هادئة..صامتة..نظر لى السائق بعدها نظرة غريبة من

نوعها وقال:
- " أتعلم أننى لأول مرة ألاحظ شحوب وجهك ؟!"
نظرت له فى تساؤل فاستطرد وهو يدير وجهه إلى الطريق:
- " كما لو أنك وضعت وجهك فى إناء مملوء بالدقيق.."
ابتسمت فى توتر:
- " لهذه الدرجة ؟! ولكن..هذا ليس مستبعدا..التعب والجوع يفعلان أكثر من

هذا.."
- " وعنقك..لماذا تخفيه هكذا..؟ "
ألقى سؤاله وعيناه لا تلمحان أثر سؤاله المفاجئ على وجهى..
- " ماذا تقصد..؟!"
نبرة صوته تهتز قليلاً، وتلك الارتعادة تجعل يده تتوتر على عجلة القيادة وهو

يضيف:
- " أقصد أن الجو ليس بارداً للدرجة التى تجعلك ترفع ياقة معطفك فى غرابة..إنها

تصل لذقنك وكأنك.."
قاطعته فى عصيبة:
- " وكأننى أخفى شيئاً ما..جرح غائر مثلاً..أو أثر لنابين..أليس هذا ما تعنيه ؟!"
وأزحت ياقة المعطف لأكشف له عنقى:
- " هل هدأت أعصابك الآن ؟ هل ترى أية جروح أو ثقبين رفيعين..؟! والسؤال

الأهم..هل أبدو لك كمصاص دماء ؟ وأنت الذى يقود شاحنة سوداء..ولديك جرح
فى عنقك..وأنت الذى.."
لا فائدة من الكلام الآن..لقد ظهرت الشاحنة لتقطع لسانى..تلك الكتلة السوداء قادمة

فى مشهد ليس بغريب علينا..
هتف السائق:
- " لا أفهم..لقد مرت الشاحنة منذ قليل.."
- " التى مرت كانت شاحنة عادية..أما هذه ال.."
- " يا إلهى..!!"
لا ألومه علي صرخته؟ فالشاحنه اقتربت في سرعة غريبه في اتجاهنا وكأن مجنون

يقودها 000 ولا يوجد أمامها هدف سوي تحطيمنا0
السائق يحاول أن يزيد السرعة ولكن الأمتار التي تفصل بين الشاحنتين تبخرت0

انه الان يريد أن يكرر ما فعله من قبل00 يوقف الشاحنة ويقفز منها0
أبطأ سرعة الشاحنة حتي00
- " أعتقد أنك تأخرت ! "
قلتها في فزع ، وبمجرد أن أكملتها حتى شعرت بجسدي ينخلع من المقعد في عنف

ويقفز للأمام ليرتطم بتابلوه الشاحنة اللعنه ! أين حزام الآمان عندما تحتاجه؟!
- " انه يصطدم بنا "
أعلم هذا أيها الأحمق 00 لاداعي لمزيد من الصراخ 00 انه يوترني0
شاحنتنا تندفع للامام رغما عنها ومطادرنا لم يكتف بذلك .. صدمه أخري ترج

الشاحنه وتدفعنا لجانب الجسر0
بينما نجح السائق في ايقافها بصعوبه والعرق يغمره00 ولكن قبل ان تمتد يده نحو

الباب سمعت صوتاً كالرعد ورأيت أضواء الشاحنه الاخري تغمرنا وتبهر أبصارنا0
ثم اندفعت شاحنتنا لتخرج عن حدود الجسر الذي تحطم وفرمله قوية تتردد خلفنا0
صرخت وصرخ السائق 00 مالت مقدمة الشاحنه للامام بزاويه حادة وجسدينا يطيرا

في الهواء 00 جسدي يرتطم بالزجاج الامامي 00 وعجلة القيادة تمنع جسد السائق
من حرية الحركة وتحطم أضلاعه ..المفاجأة تشل تفكيرى لثوان ولكن
بدا أنه لن يقف شي في الدنيا أمام سقوطنا في النهر0
وبالفعل 00 سقطت الشاحنه من ارتفاع عشرة أمتار 00 نحو النهر.. نحو مصير

مجهول 00 اكثر سواداً من تلك الليله اللعينه!
**************************
ارتطمت مقدمة الشاحنة بسطح الماء و كأنها ترتطم بحائط من الاسمنت و جسدي

ينزلق ليندفع نحو جانب الشحنة و آلام الاصطدام اشعر بها تكهرب عظامي بينما
السائق لا أسمع سوى صراخه و تأوهاته و نحن نغوص في الماء ... ومن فرط
الألم اشعر بجسدي وكأننى سكير فقد السيطرة على عضلاته وأعصابه .
المياه تتدفق الى داخل الشاحنة ... و على ضوء القمر الشاحب الذي يخترق سطح

النهر رأيت دماء السائق تسيل من رأسه سوداء كالليل .
كم اكره المياه ... اشعر بداخلها بالعجز و الضعف .
الهواء يكاد يفجر رئتاي بعد ان كتمت أنفاسي و الشاحنة تهوي بسرعة نحو القاع

حتى بلغته .
ثواني و نغرق .. ولكنه لا يجب أن يموت !
فتحت باب الشاحنة بصعوبة وسط ضغط المياه القوي على الأبواب .. ثم التفت نحو

السائق لأجذب ذراعه
انه لا يبدي أي رد فعل .. تكون كارثة لو مات !
مازلت أجذبه في قوة من الشاحنة و لكنه لا يتحرك من مكانه يبدو ان ساقه

محشورة .
ضغط المياه و برودتها يعذبان جسدي بلا رحمة .
و كأن كل ذلك لا يكفي فقد تحركت الشاحنة للخلف بسبب تيار النهر القوى الذى

فوجئت به وبتلك الحركة السريعة للشاحنة وفقدت السيطرة على جسد السائق.
إندفعت للخلف لثانية ولكننى قاتلت المياه وعدت للامساك به مجدداً وقدماى تتحركان

كضفدعة يائسة وأنا أسحب جسده من الشاحنة بيدى اليسرى وذراعى اليمنى تقبض
على هيكل الشاحنة.
ثوانى وأفقد تحكمى فى الهواء المكبوت بداخل صدرى ولحظتها لن أستطيع المقاومة

.
تحرك جسد السائق أخيرا كالجثة.. وضربت الماء بقوة بذراعى اليمنى للخروج من

الشاحنة.
استطعت إخراج جسده بمعجزة ثم فوجئت بتيار النهر يجذبنى للخلف بعنف

كمغناطيس عملاق وفى الوقت نفسه تحركت الشاحنة للخلف بقوة لتعلق قدم السائق
بالباب وأصبحت أقاوم في هلع جذب الشاحنة الغير ثابتة لجسد السائق و جذب التيار
العنيف الذي يدفعني للوراء ..
أشعر بعيناي الآن تكاد تنفجر من فرط ضغط المياه وذراعاى تقاتلان في جنون ..

لكني لم استطع إحتمال الهواء المكتوم في صدري لمدة أطول من ذلك ففتحت فمي
شاهقاً لتندفع مياه النهر نحو فمي و صدري و تملأ أنفي وأشعر بها وكأنها تعبث
بمخي و خلاياي ...
شاهدت ظلاما .. و عذابا .. و شممت رائحة الموت ...
و في خضم كل ذلك لمحت في رعب جذع شجرة ضخم تجرفه المياه و قبل أن

أتعلق به أو أتخذ أي رد فعل شعرت بضربة الجذع العنيفة تهز رأسي وكأنها قذيفة
مدفع.. فتركت يد السائق و رأسي تلف و تدور كعجلة الروليت ورئتاي تصارعان
الماء في محاولة يائسة ثم ...إستسلمت لتيار النهر لكن لمحت يد... ذراع بشرية
او ربما هو وهم أو هلاوس ما قبل الموت .
يد قبضت على كتفي ثم أظلمت الرؤيا لثواني.
كل ما أتذكره بعد ذلك أنني كنت أتحرك نحو ضفة النهر مخترقاً سطح المياه و بعد

ذلك أتهاوى على الأرض أسعل بوحشية وأشهق شهقات طويلة حادة و المياه تنهمر
من بطني و رئتاي .
بقيت كذلك لمدة دقيقتان لا أتوقف عن السعال والشهيق. وعندما رفعت رأسي لمحت

بطرف عيني السائق يفعل ما أفعله و لكنه اضعف كثيرا.. كان مستلقياً على ظهره
والدماء تغرقه وسعاله ضعيف مثل أنفاسه يبدو انه ينازع الموت .
ولكني نسيت شيئا ...نظرت نحو الرجلين النحيلين الذي يقفان في ترقب وسط

السواد كتمثالين من الشمع وينظران نحونا.
قلت في لهجة واهنة وأنا انظر نحو الجسدين اللذين يخفي الظلام ملامحهما :
- " شكرا .. للغاية "
وإقتربا أكثر وإنسكب ضوء القمر على وجهيهما ولحظتها شعرت بتلك الرجفة تبدأ

في قاعدة عمودي الفقري ثم تعدو في سرعة نحو صدري.. رجفة لم تسببها
البرودة .
الوجهان شاحبان للغاية بلا ملامح تقريبا وفي فم كل منهما يبرز النابان في جوع..

بينما نظراتهما تبعث بنداء صارخ.. نداء يبغي دماءنا !!
تلك النظرة التي وجهها أحدهما إلى دماء السائق التي تسيل لا تحتاج إلى تفسير .
- " مرحبا بكما "
قالها أحدهما بصوت مخنوق يبدو كصدى ياتي من اغوار كهف عملاق ..غامض

النبرة و المشاعر..انه ليس صوت بشري!!
نعم الآن فقط اعرف لماذا أنقذونا !!
ثم شعرت فجأة بتلك الحركة بجانبي.. لقد توقف السائق عن السعال ورفع رأسه

الواهنة ليرى ما يحدث ..أعتقد انه ليس وقتا مناسبا لذلك .
عندما وقعت أول نظرة من عيناه عليهما صرخ وحاول الحركة ولكن جسده المصاب

لم يلبي استجابة الخوف ولم يتحرك .
- " من .. من هؤلاء بحق الجحيم ؟؟ "
- " مصاصي دماء ! "
قلتها في جدية وأنا انتظر حركتهما القادمة ولكنهما إستمرا في النظر إلينا في جذل

وكأننا طائر موجود في قفص صغير وينتظر من يقتله .
أشار المتحدث الى السائق قائلاً :
- " ماذا ؟ ألن تشكرنا على انقاذك ؟ "
ولكن لم يجبه.. فقط إرتعد جسده أكثر .. و اعتقد الآن أنه يتمنى لو كان مات من

الغرق .
أما أنا فقد كنت خائفا من أن يصبني التصادم و بعد ذلك أنهك النهر قواي و لكنني

الآن لا يوجد أمامي سوى الصراع
- " حظ جيد الليلة اثنان و ليس واحد "
- " لو تحرك أحدكما خطوة واحدة ستكون نهايتكما !! "
لم تؤثر فيهما عبارتي الغاضبة بل أثمرت نظرة ساخرة تبادلها الاثنان واقتربا مني

في ثقة بينما نهضت من على الأرض في تحفز وبقايا الألم تعانق جسدي .
بإمكانهما قتلي اعرف ذلك ولكني لم اظهر كل ما لدي بعد. تأهبت عضلاتى و...
- " احترس !! "
قالها السائق صارخاً فى فزع حقيقى وإنقض شخص ما من الخلف على ظهرى

ليعتلى جسدى و شعرت بساعديه يطوقان صدرى وبفمه يقاتل فى وحشية ليصل نحو
عنقي... إنه شخص ثالث !
ولمحت رابع يقترب من السائق و يلعق دمائه التي تملا الأرض ثم يقفز على جسده

.
لحظتها فقدت السيطرة على نفسي تماما فقد تطورت الأمور الى منحنى خطير لم

أكن أتوقعه وانتهى وقت العبث .
وضعت يداي خلف عنقي وأطبقت على رأسه قبل أن يغرز أنيابه وبكل قوتي جذبته

إلى الأمام وأنا أثني ظهري وفي أثناء سقوطه ثنيت عنقه بحركة حادة فأصدرت
الفقرات المكسورة صوت قرقعه وسقط جسده أرضا بلا حراك .
ثم قفزت من مكاني لأمسك باللعين الذي غرس أنيابه في عنق السائق وغرست

مخالبي في عيناه لأقتلعهما و صرخاته تملا أذناي والدماء تتفجر من وجهه .
ولكن السائق لم يتوقف عن الصراخ ..هو أيضا يبدو أنه لاحظ النابان اللذان برزا

من فمي !!
صرخ احد الرجلان بعد أن أفاق من حدة مفاجأتي :
- " إنني اعرف هذا الرجل ! "
حرملتي السوداء تبرز من الفراغ كأجنحة الخفافيش والرجل الاخر يهتف وهو

يتراجع الى الوراء :
- " إنه هو ..! "
عيناي أشعر بهما تتتسعان والنقطة الحمراء تتركز فيهما .
- " ما هذا بحق الجحيم ؟؟ "
كان هذا آخر ما قاله فقد فوجئ بي أسقط أمامه من الهواء كخيال عملاق صارخاً

في غضب جنوني :
- " أنا الذي صنعتكم أيها الحمقى "
ثم رفعت جسده وهبطت بظهره على ركبتي لأحطم عاموده الفقري .
كان الآخر يعدو فى جنون وهو ينظر خلفه ليرى إذا ما كنت أطارده أم لا وعندما

أدار وجهه للأمام وجدني أمامه ولم يشعر إلا بمخالبى الحادة تخترق حنجرته .
وساد الصمت المكان... ولم أعد أسمع إلا تأوهات السائق بعد أن بح صوته من

فرط الصراخ .
و عندما رأيت أجسادهم الميتة تفترش الأرض هدأت قليل .
لقد أخطات بالفعل عندما حولت هؤلاء الأغبياء إلى مصاصي دماء ..أحيانا أسعى

إلى إشباع جوعي وأنسى تلك الكوارث التي أصنعها !
الدماء في عنق ورأس السائق ما زالت تنزف وجسده يبدو أنه اقترب من نهايته.
همس في ضعف :
" أرجوك .. لا تقتلني ! "
صدقني لا أستطيع ذلك ، إنني جائع لدرجة الموت وقد عبثت معك كثيرا وأجلت

نهايتك و لكن الآن لا يوجد أمامي بديل :
" كما إنني لو تركتك ستتحول الى مصاص دماء .. لقد نهش احدهم عنقك .. هل

تفهم هذا ؟!"
ولكنه لم يفهم أي شئ ذلك واضح من إرتعادة جسده . أسندت رأسه على راحة يدي

اليسرى وهو لا يقاوم على الإطلاق .
ثنيت عنقه في هدوء باليمنى ورأسي تميل على عنقه وأنيابي تخترق ذلك الوريد

البارز ودفء الدماء يصل إليهم . ضغطت الوريد بين شفتي في قبلة شبقة وأنا
أمتص الدماء وأشعر بها تتدفق في فمي وتسري في جسدي لتخمد كل شعور بالألم
والجوع .
بعد أن أنهيت ما أقوم به تركت جسده ليتهاوى فاقداً للحياة ولكنها مجرد دقائق و

يستعيدها ... يستعيد حياة أخرى رهيبة .. حياة مصاصي الدماء !
سيعيش لعشرات السنين هائماً على وجهه .. وحيدا .. تائهاً يبحث عن الدماء .
و لكنني سأرحمه .. لن أجعله يعيش مثل هؤلاء الحمقى الذين يحتلون الجسر .

إنهم لم يولدوا مصاصي دماء مثلي بل هم مجرد نتاج خطأي عندما توقفت الأسبوع
الماضي على نفس الجسر وداهمني جوع قاتل .
************************
بعد دقيقة من البحث وجدت ذلك الوتد الخشبي .
جسد السائق كان يهتز في بطء ولكنه سيتوقف الآن . اقتربت منه ممسكا بالوتد .
لون ابيض كالثلج يغمر وجهه وسيقانه تنتفض.. رفعت ذراعاي لأعلى .. النابان

يولدان في فمه وعيناه تختلجان ..
بكل قوة غرست الوتد في قلبه !
جسده كان يتقافز على الأرض واللون الأبيض الثلجي في وجهه يتحول تدريجيا إلى

السواد ثم شممت رائحة الشواء تفوح من جسده وتلك النار الزرقاء تتوهج فجأة من
مكان القلب ثم تنتشر في ثواني لباقي الجسد.. تلتهمه بلا رحمه .
خفضت رأسي في ألم .. أعلم أنه تألم كثيرا ولكنه أخف ألماً من الحياة التي أتعذب

فيها .
بعد ذلك إتجهت نحو أجساد الرجال الذين أسقطتهم منذ قليل لأنني أعلم جيدا أنهم لم

يموتوا .. بعد قليل سينهضون لإستكمال حياتهم اللعينة ، لا يقتل مصاصي الدماء
سوى وتد في القلب !!
رفعت الوتد لأعلى أكرر ما فعلته مع السائق !
******************************
أمشي على الجسر الان . عيناي تضيقان .. السواد يرجع لحدقاتهما والأنياب

البارزة تتضاءل .
أبحث عن هدف للحياة . هدف آخر غير الدماء الكريهة... أبحث عن صديق يمد

نحوي يده ويساعدني بدون أن أقتله بعد ذلك ..
أبحث عن إمرأة أنظر إلى وجهها وقلبها ولا أنظر إلى عنقها .
هذه هي الأفكار التي صارت تعذبني وتؤلمني .. ولا أفكر فيها إلا عندما اشعر

بالشبع ولحظتها أشعر بكراهية شديدة لذلك السائل الأحمر الدافئ وألعن اليوم الذي
ولدت فيه .
ولكن عندما يهز الجوع جسدي لا أستطيع مقاومة شهوة الدماء الهائلة .
بالنسبة للجسر .. أنا أعلم أنه يوجد المزيد من مصاصي الدماء وربما ينظرون

نحوي في خوف من مخابئهم بعد ما فعلته بزملائهم ولكنهم ليسوا مشكلتي بعد
الآن.. فليقتلوا القرويين أو يحرق السكان الجسر أو ليذهبوا جميعا للجحيم ..
تكفيني متاعبي الخاصة .
تجاوزت الجسر ..
إختفيت وسط التلال ..
وجزء ما بداخلي يتمنى أن يرى اللحظة التي ينغرس فيها وتد في قلبي .


تمت بحمد الله
القصه منقوله وليست من كتاباتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق