اتخذ الضابط النوبتجى مكانه خلف مكتبه . نظر إلى بعض الأوراق أمامه ثم ألقى بعض الأوامر العصبية التى لم أنتبه إليها وبعد ذلك أشعل سيجارته الأولى.
الجو بداخل قسم الشرطة ساخن للغاية .. خانق . والحرارة تنبعث من أركان الغرفة وكأننا نجلس فوق موقد ضخم.
بينما ضوء الغرفة خافت .. كئيب ، وكأنهم وضعوه عن عمد لإزعاج وإرهاق عيون من يدفعه حظه العاثر لدخول هذا المكان . خاصة وأن هذا الضوء الخافت يثير أعصابى للغاية ويجعلنى أبعد ما أكون عن الهدوء والتركيز اللذين أحتاجهما فى هذا الموقف.
وحتى هذا المصباح القذر المعلق فى سقف الغرفة بسلك مغلف بالقذارة وحشود الذباب أخذ فى الاهتزاز ملقياً بظلال شاحبة على الوجوه وكأنه يزيد من جرعه الملل والتوتر.
وأنا لا أعرف لماذا يكون دائما جو قسم الشرطة فى أى مكان بمصر بهذه الكآبة والوجوم والسوداوية.
وبينما أفكر فى كل هذا تسللت سحب الدخان الرمادية من سجائر الضابط إلى أنفى .. ثم صدرى فسعلت فى قوه ليحتقن وجهى وتنشط غددى الدمعية وتملأ عيناى بالدموع .
أما الضابط فهو لا يهتم بكل هذا .. بل ينظر لى فى برود غريب من خلف سيجارته وكأنه يختبر مدى احتمالى لكل وسائل إثارة الأعصاب هذه.
كان كل شئ فى المكان مهيأ لجعلى أنفجر : جو قسم الشرطة .. رائحة الدخان .. أعصابى المتعبة .. المقعد الخشبى المتهالك الذى يكاد يسقط بى .. نظرات الضابط المتشككة ... كل هذا كان يمتزج مع بعضه البعض ويجعل من بقائى هادئاً شيئاً مستحيلاً لا أعرف كيف احتمله .
ولكن ابتسامه ما ارتسمت فى أعماقى . ابتسامه تخبرنى بأن كل هذا يستحق التجربة . ومهما أتعبنى الموقف وصرخت أو ضربت صاحب الرتبة الممل هذا بسيجارته .. مهما حدث كل هذا فسوف أتحمل . إنه شئ جديد يحدث لى ويحطم حاجز الرتابة. وهذا يعتبر شئ كاف وتفسير مقنع إلى حد ما .
خلع الضابط ساعة يده وكأنها كانت تخنقه .. ثم رفع أكمام قميصه وكأنه على وشك الدخول لمشاجرة وأمر بفتح المحضر . أخذ البيانات الروتينية . اسمى . عملى . محل إقامتى . وللأسف كان نسيانى لبطاقتى الشخصية مبرراً كافياً - من وجهة نظره - لكى يملأ القسم بمزيد من التوتر والشك .
نفث الدخان فى تلذذ وعيناه تتفحصان ذلك الجرح الذى يزين جبهتى .
* "ولكن .. أين هى ؟! "
تنهدت فى بطء مفتعل محاولاً السيطرة على أعصابى :
- " لقد حدث كل شئ بسرعة . وأنا أضع البطاقة والكارنيهات الخاصة بى فى محفظة جلديه بدرج مكتبى ووسط التوتر والتخبط نسيت أن أحضرها .. هذا كل ما حدث. وبإمكانك أن ترسل شخصاً ليحضرها وتتأكد من شخصيتى"
* " لا ليس هناك داع لكل هذا . إن الوقت متأخر بما يكفى وليس لدينا المزيد من الوقت لكى نضيعه "
صمت لحظات وهو يعبث بقلم فى يده ثم استطرد :
* "والآن .. لنبدأ من البداية يا دكتور . من اللحظة التى دخل فيها هذا الشخص عيادتك الخاصة وحتى النهاية "
فتحت فمى وكدت أتكلم لولا أن قاطعنى بإشارة من يده قائلا:
* " أريد أن أعلم كل ما حدث بالضبط ؟ هل تفهم ؟ كل الحركات .. أدق التفاصيل .. أى معلومة مهما كانت صغيرة وسخيفة فى نظرك ؛ فهذه التفاصيل الصغيرة لها دور كبير فى وضع استنتاجاتنا واتهامنا ".
نظرت له فى تساؤل :
- " أية اتهامات ؟! "
* " الاتهامات التى سيتم توجيهها إليك! "
السيطرة على أعصابى صارت شيئا صعباً للغاية . بدا لسانى كأنه أسد هائج حطم قفصه . فقلت فى عصبيه :
- " هل تعنى بهذا أنك تتهمنى بأننى فعلت كل ما حدث؟"
• " وهل يوجد شخص آخر سواك لنتهمه ؟ "
أردفت فى لهجة أشد عصبيه :
- " ولكن الأمر واضح بالفعل برغم غرابته ولا يحتاج لكل ما تفعله الآن والأدلة هناك فى عيادتى تجزم بذلك إلا إذا كنت تبحث عن نصر شخصى من الهواء إنك مثل كل الـ .. "
يبدو أنه لم يرق له أسلوبى على الإطلاق فقاطعنى فى صوت هادر :
* " اسمع يا دكتور . أنا لا أبحث عن انتصارات وهمية على حساب الأبرياء لأننا لم نكشف الحقيقة حتى الآن وإن كان كل ما أعرفه أن موقفك معقد للغاية وأصعب مما تتخيل ، فلا تزيد الأمور تعقيداً على نفسك بمثل هذه العصبية . كما إننى أريد أن أحذرك من شئ هام للغاية .. إنك لا يجب أن تعتقد أبداً .. أبداً ولو لثانيه واحدة أن مهنتك تعطيك الحق فى الصراخ هنا أو أنها ستجعلك فوق القانون "
صمت لحظات وهو يلمح التأثير الناجح لكلماته على غضبى وعصبيتى وبدأت لهجته الثائرة تميل للهدوء.
* " والآن .. فلتقص على كل ما حدث ودع أى شئ عن الاتهامات بعد تدوين المحضر "
خلعت نظارتى الطبية .. مسحت عدساتها المضغوطة بطرف معطفى ولكنها اتسخت أكثر من فرط الدماء التى تلوثه .
- " حسنا .. سأقول كل شئ . ولكن أرجوك ابعد هذه السيجارة . يكفينى هذا الجو الخانق "
طوح بالسيجارة فى ركن الغرفة قائلا بنفاذ صبر :
* " هاهى السيجارة اللعينة . والآن تكلم سريعآ .. لأننى ليس لدى الليل كله لأستمع لحكاياتك إنك لست الوحيد هنا .. لدى ثلاث قضايا لاغتيال أطباء نفسيين فى منطقتى "
تنهدت فى قوة .. ثلاث أطباء .. اغتيال .. دماء .. ليله لا تريد أن تنتهى ..
ازدت انكماشاً فى مقعدى :
- " سأقول ما حدث من البداية "
وبحث عقلى عن البداية .. وبغتة قفزت صوره وجهه أمام عيناى .. وكانت البداية عيناه !
**************************
عيناه واسعتان .. قاتلتان . تنظر لهاتين العينين العسليتين وتشعر أنهما يجذبانك . تحاول الفرار منهما .. أو من تلك النظرات ولكن لا يوجد أمامك سوى الغرق فيهما . تغرق وتغرق ولا تجد مرفأ للنجاة . عينان عميقتان كبئر جاف .. يملؤهما حزن لم أرَ له مثيلا فى حياتى . أما وجهه فهو شاحب للغاية .. ووجنتاه غائرتان يتوسطهما شارب صغير متآكل يعبث به طوال الوقت كما لو أنه يتمنى أن يجذبه ليسقط .
وملابسه لا تدل على أنه ثَرى .. ولكنها متناسقة ومهندمة . مليئة بالأتربة وكأنه خرج لتوه من مقبرة !
أفكار ومشاعر غريبة تهاجم كل من يرى وجه ذلك الرجل شعور غامض من الإشفاق والحزن ممتزجين بالخوف منه والإحساس بأنه غريب الأطوار.
لم أكن معتاداً أن أبقى فى العيادة حتى هذا الوقت المتأخر من الليل ولكننى اندمجت فى قرائه بعض الأبحاث النفسية الحديثة على الإنترنت وسرقنى الوقت .
كما إننى كنت أجلس وحيداً فى العيادة بعد أن غادرت الممرضة فى موعدها المسائى فى التاسعة وإستأذن الساعى العجوز بعدها بساعتين ونصف . بينما كانت الساعة تقترب من منتصف الليل .. اللحظة التى تبدأ فيها كل ألعاب الليل .. والموت .
كان ذلك عندما جاء هذا الرجل .
كنت أتثاءب والكسل يبدأ فى تحطيم قدرتى على التركيز عندما فجأة وجدته أمامى .
كيف دخل هذا الرجل بدون أن أسمع صوت الباب وهو ينفتح؟!
كيف لم أسمع صوت خطواته ولم أشعر حتى باقترابه منى ؟!
لا أعلم كل هذا ..! كل الذى أعرفه أننى فجأة وجدته يقف بجوار المكتب تماماَ .. ربما استغرقنى البحث تماماً فلم ألحظه ولكن كل ما أتذكره أننى قفزت من فوق المقعد كالضفدع من وطأه مفاجأة هذا الرجل لى .
= " من أنت بحق الجحيم ؟! "
- " أنا رجل مريض يا دكتور ! "
على عكس لهجتى الممتلئة بالدهشة والتساؤل جاءت إجابته باردة .. هادئة لدرجه الموت و .. اللعنة .. لماذا أكرر كلمه الموت هكذا ..؟؟ هل لأننى عاصرت فى اللحظات التالية شيئا أشد عذاباً منه أو ربما لأننى فى لحظه ما تمنيته حتى تنتهى آلامى ..؟؟ لا أعلم بالضبط و لكن كل ما أعلمه أن ذلك الرجل كان أسوأ من الموت ذاته .
بعد مرور عدة لحظات من الدهشة والتقاط الأنفاس أخبرته أن مواعيد العيادة قد انتهت وإنه بإمكانه أن يأتى فى الغد فى السابعة مساء لأننى متعب الآن .
ولكن الرجل كان لحوحاً إلى أقصى درجه :
- " أرجوك يا دكتور . إننى أحتاجك للغاية . إنك الحل الوحيد أمامى الآن لمساعدتى وإنقاذى ! "
وأنا ضعيف جداً أمام مرضاى , لا أستطيع أن أصيبهم بالإحباط أو أن أخيب ظنهم فى شخصى المتواضع .. تكفيهم عقدهم النفسية .
كما أن الرجل كان قد أثار فضولى بالفعل بكلماته الغامضة ؛ لذلك وافقت على بقائه واستماعى له . ويا ليتنى ما وافقت!!
جلس على المقعد الذى يواجهنى عبر المكتب وأنا أرسم ابتسامتى الهادئة السخيفة التى أحاول بها أن أستحث مرضاى النفسيين على الحديث . ولكن فترة الصمت طالت بيننا . ذلك الرجل كان غريبا بالفعل . بدلا من أن يتكلم كان ينظر لى وكأنه يتفحصنى ، يتفرس فى ملامحى وكأنه هو الذى سيعالجنى وليس العكس .
ضايقتنى تلك النظرات وتلك البداية الغير مطمئنة على الإطلاق فأدرت وجهى ونظرت إلى السقف .. الجدران .. إلى أى شئ بعيداً عن نظرات ذلك الرجل . كنت أحاول الهرب من نظراته ولكن عيناه لم تتحركا قيد أنمله عن وجهى.
كان هذا أكثر من قدرتى على الاحتمال . كما إننى أعطيته الكثير من الوقت الذى لا يستحقه للأسف . أنا هنا أعالج المرضى من عقدهم ومشكلاتهم النفسية ولا أنتظر فى المقابل أن يدفع بى أحدهم إلى الجنون مثل هذا الشخص .
= " حسناً .. ما هى مشكلتك بالضبط ؟ لقد قلت لك إننى مرهق بالفعل وأن وقت العيادة انتهى "
قال بنفس هدوئه:
- " لقد جئت إليك لأننى أريد أن استريح .. أن أتكلم وأهدئ من ذلك اللهب المُستعر فى أعماقى "
صوته اكتسى بلمحه من الرقة التى لم ألحظها فى البداية والتى بدت متناقضة مع ملامحه الحادة ونظراته العجيبة . فبعث ذلك ومضه من الطمأنينة فى قلبى بعد أن كدت أقسم أنه ليس مريضاً بل مجرد لص جاء ليسرق عيادتى المفلسة.
= " حسناً تكلم بحريه وقُص على كل شئ "
- " ولكننى يخالجنى يأس هائل . يأس قادر على إقناعى بأن مشكلتى بلا حل ! "
ابتسمت قائلا :
= " أهم شئ أن تؤمن بقدرتى على علاجك و أن تثق بى . لا توجد مشكله بلا حل ولكن يوجد مريض لا يؤمن بأن هناك حل وهنا تكمن المشكلة "
أعجبتنى هذه الجملة الأخيرة وكدت أخرج مفكرتى لأدونها حتى أقولها لمرضاى بعد ذلك . أحيانا يمدنى الإلهام بأشياء جميلة !
تطلع إلى وجهى مفكراً ويدا أن عبارتى قد أثرت فيه أو يبدو انه لم يفهمها على الإطلاق .
- " إننى متعب .. متعب لدرجه الموت . لقد ضقت ذراعاَ بهذه الحياة التى أحياها "
= " ماذا تقصد بتلك الحياة .. هل تقصد عملك مثلا أم الحياة مع زوجتك أو الحياة بوجه عام ؟! "
- " لا .. إننى لا أعمل . كما إننى أرمل فقد ماتت زوجتى منذ مده طويلة . وما أقصده هو الحياة بوجه عام .. الحياة كلها بمعناها المجرد .. لقد اختنقت منها .. وأود أن تنتهى"
- " كيف ذلك ؟! "
= " بأن .. أموت ! "
تساءلت بغير دهشة :
- " تموت "
= " نعم .. ذلك الملل لا يترك لى حل آخر . إنه عدوى الوحيد .. ذلك الملل القاتل الذى يطوقنى فى سجن عملاق لا أستطيع الفرار منه "
أومأت برأسى متفهما وابتسامه ما تعبث فى أعماقى ؛ لأننى اعتدت مثل هذه الحالات .. تلك النوعية من الأشخاص الذين فاض بهم الكيل من روتين حياتهم اليومى وصاروا يشكون من ملل الحياة ورتابتها وهنا يأتى دورى كطبيب نفسى , أحاول إقناعهم بأهمية الحياة والعمل وأنصحهم بتغيير أنماط معيشتهم وتكيفهم مع الواقع ... و ... و ... الخ .
نعم هذا الكلام المكرر الذى أقوله فى كل مناسبة حتى اختنقت منه أنا أيضاً وبدا أنه ليس بعيداً على أن أرتدى مقلاة على رأسى وأركض فى الشوارع عارياً لأنافس مرضاى من فرط الملل الذى نقلوا عدواه لى ... ولكن لسوء حظى كنت مخطئا فهذا الرجل كان أبعد ما يكون عن الملل.
= " لقد اختنقت من ذلك الوقت الطويل الذى لا ينتهى ومن تلك الوحدة المقبضة التى تُكبل حياتى كأذرع الأخطبوط . لا يوجد أى صديق يؤنسنى ويملأ حياتى . لقد مات كل الذين عرفتهم وأحببتهم.. ماتوا منذ سنين طويلة . وقد مللت من كل تلك السنين التى لم تنتهى ولن تنتهى .. السنين التى عشتها والتى سأعيشها . إنها سنين طويلة .. طويلة لا تريد أن تصل للنهاية الطبيعية التى تسمى الموت "
- " ولكنك لا تبدوا كبيراً إلى هذا الحد . إنك تتحدث عن الوحدة وكأنك عجوز فى الثمانين فى حين أنك بالكاد لم تتعد الأربعين عاماً ".
أومأ برأسه مبتسماً فى غموض :
= " مظهرى لا يدل على إننى لست كبيراً لهذا الحد لأننى توفيت فى سن التاسعة والثلاثين بسبب أزمة قلبيه ! "
اعتقدت أننى لم أسمعه جيداً :
- " ماذا ؟ آسف .. ولكن يبدوا أن عقلى شرد لثوان .. ماذا قلت ؟! "
قال بجديه وهو يقطب حاجبيه :
= " لقد قلت يا دكتور أننى توفيت فى التاسعة والثلاثين . أما عمرى الحقيقى فسيكون مفاجأة كبيره بالنسبة لك "
كنت أنظر له فى دهشة وكل استنتاجاتى عن الرجل تتغير إنه ليس شخص أصابه روتين الحياة بالملل الآن يبدوا مجنوناً بالفعل
- " إذاً .. ما هو عمرك الحقيقى ؟! "
اقترب برأسه من مكتبى وتلك النظرة المتحدية لا تخفى على :
= " ما قولك فى أن عمرى الحقيقى لا يقل بأى حال عن مائتين وخمسين عام ! "
- " ماذا ؟!! "
= " نعم يا دكتور مائتين وخمسين عام . وأقسم أنها الحقيقة"
- " مائتين وخمسين عام !! "
أخذت أردد العبارة فى بطء وكأننى أحدث نفسى بينما كل ملاحظاتى وأفكارى عن الرجل تنهار كقصر من أوراق الكوتشينة .
يبدوا أننى فقدت لمستى الخبيرة وقدراتى على تحليل شخصيه المرضى . فالرجل فى البداية لم يكن يبدو مجنونًا لهذه الدرجة . أما الآن فقد تأكدت من هذه الحقيقة . إن ما قاله هذا الرجل كان أغرب شئ ممكن أن يقول بشرى فى هذه العيادة.
ولكننى سيطرت على انفعالاتى وابتلعت أثر المفاجأة بينما لم تتحرك وجهى لترسم أيه تعبيرات تعكس ذهولى .. واحتفظت بصعوبة بهدوئى وجمودى .
أما هو .. فقد كان يبحث عن رد فعل لقنبلته ولكن يبدوا أن برودى أحنقه للغاية فتابع حديثه فى لهجة أقرب إلى العصبية :
= " إنها الحقيقة يا دكتور "
- " وماذا تريد منى بالضبط ؟! "
= " أريدك أن تخلصنى من هذه الحياة .. أريدك أن .. تقتلنى "
أقتله ؟! هل هذا الأحمق قرأ اللافتة جيداً لقد كتبت " طبيب نفسى " ولم أكتب " جلاداً "
استطرد فى سرعة وكأنه ملاكم أسقط منافسه بلكمه طائشة فانهال عليه بلكمات سريعة وهو يبغى سحقه :
= " لقد حاولت الموت مراراً ولكنى فشلت . لقد باءت كل محاولاتى بالفشل . حاولت شنق نفسى ولكنى لم أمت . قطعت شرايين يدى ولم أنجح .. فعلت كل شئ .. وفشلت . كل مره يا دكتور يقهرنى فشل غريب وأعود لأكمل نفس الحياة . دكتور .. دكتور لماذا أنت صامت هكذا ؟ ألا تصدقنى؟! "
تطلعت إليه صامتا ولم أحاول أن أتحدث ..
رفع ياقة قميصه مشيراً إلى عنقه :
= " هذا هو الجرح الذى صنعه الحبل فى عنقى "
كان يوجد بالفعل جرح أفقى يحيط بعنقه.
ثم أزاح كم قميصه :
= " وهاهو الجرح الذى صنعه السكين بيدى "
جرح عميق للغاية كان يخترق معصمه فى بشاعة . ثم أستطرد والانفعال يملأ كلماته :
= " إنها مأساة يا دكتور "
صدقت أنها مأساة بالفعل . مأساة لأن هذه المهنة اللعينة تجعلنى مضطراً لسماع الحمقى أمثالك .. ..اللعنة .. لماذا لم أدخل كليه أخرى ؟! كليه الزراعة مثلا كانت ستضمن لى مستقبلاً مرموقاً فى توشـ ...
= " دكتور .. دكتور ! هل تحدث نفسك ؟! "
- " نعم .. أقصد لا . أعنى .. إننى كنت أتساءل .. لقد قلت أنك قد توفيت ثم تقول أنك تريدنى أن أقتلك وفى نفس الوقت تخبرنى أنك حاولت الانتحار ثم عدت لتكمل نفس الحياة . كيف يحدث كل هذا إننى لا أفهم شيئاً "
= " إنها حياة طويلة .. َمهما انتحرت فيها أو توفيت أعود رغماً عنى لأحيا نفس الحياة .. إنها دائرة رهيبة لا تنتهى"
- " تموت ثم تعود ؟ أى منطق هذا ؟ "
= " إنه منطق قاسى .. منطق عالم غريب يخرق القوانين الطبيعية ويتحدى المنطق ذاته .. إنه .. "
صمت لثوان وعيناه تتسعان مردفاً :
= " إنه منطق الأشباح يا دكتور "
هبط الصمت فجأة على المكان . بدا أن الزمن قد توقف ، وأن كل شئ فارقته الحياة .
أما جسد الرجل فقد كان يرتجف فى انفعال و ..
- " هل تعنى أنك .. ؟! "
= " نعم شبح مخلوق سرمدى لا ينتهى . أليس هذا ما استنتجته ولا تريد تصديقه ؟ أليست هذه هى الحقيقة التى تتلوى فى عقلك ولا تجرؤ على البوح بها . ولكنها الحقيقة . ولهذا أريدك أن تجد أى طريقه لإفنائى . لقد فشلت أنا فى الموت ولكن ربما تنجح أنت فى قتلى .. ومن يعلم ؟! إنك لا تعرف حياة الأشباح .. إنك لا تعرف الملل وعذاب الوحدة . لا تعرف تلك الرغبة التى تعتصر أعماقى وتبعث لهيباً هائلاً داخل صدرى ولكننى لا أجدها .. أو لا أستطيع تحقيقها .. إنها رغبه الموت .. الموت "
كانت كلماته تتولى كطلقات المدافع .. وأصداء كلماته الأخيرة تدوى فى فراغ الحجرة كالرعد .
نظرت له فى سخريه وتساءلت :
- " شبح ؟؟ "
= " نعم يا دكتور .. ما الذى تعرفه عن الأشباح ؟! "
ابتسمت فى هدوء وثقه :
- " أعرف الكثير عن الأشباح "
نظراته لى أقلقتنى وضحكته الغريبة بدأت وتردد صداها وكأنها لا تنتهى :
= " هل قالوا لك مثلآ أنها تقتل ! "
وانفجر باب الحجرة .. أو انفتح لا أعرف بالضبط .. وتحطم زجاج النافذة لتتناثر شظاياه فى المكان .. و ضحكته تعلو ..وتعلو بينما خلف الباب الذى انفتح .. أرى صالة العيادة بالخارج .. أرى مشهد مروع يملأ عيناى ويجعل عقلى ينتفض فى ثورة.
الدماء كانت تغرق الأرض .. وتلطخ الحوائط بكثافة . وعلى مكتب الممرضة رأيت - وجسدى يقشعر وينتفض - جسد الساعى العجوز عاريا تماما .. وتغرقه الدماء بصورة لم أر لها مثيلاً فى حياتى .
صرخت فى رعب :
- " يا إلهى .. ما هذا ؟! "
ضحكته اللعينة لا تتوقف . قفزت بركبتان تستطيعان النهوض بالكاد .. عدوت بصعوبة نحو الباب بجسد مرتجف ودموع سريعة تملأ حدقتاى من فرط قسوة المشهد .. أعدو وأبتهل أن يكون كل ما لمحته مجرد خداع لبصرى .
ولكن ضحكته توقفت فجأة .. وانغلق الباب فى وجهى بنفس السرعة ليحتجزنى مع هذا الشيطان بالداخل وعادت النافذة كما هى.
.. وساد الهدوء إلا من صوت لهاثى ..
قال بدون حتى أن يتحرك لسنتيمتر من على المقعد أو يدير رأسه ليرى ما يحدث خلفه .
= " اجلس يا دكتور .. فجلستنا الليلة ستطول "
***************************
الضابط كان يهرش عنقه بملل وهو يلقى نظرة سريعة على ساعته .
- " لم أكن أصدق بالتأكيد كل هذا الهراء عن الأشباح . بل كنت متأكداً من أنه شخص مجنون .. قاتل ، يبحث عن ضحية ما ووجدها "
أومأ برأسه قائلاً بنفس الملل :
* " نعم .. نعم "
- " ولكننى كنت مخطئاً "
***************************
هتفت فى ذهول :
- " من أنت ؟! "
= " كما قلت يا دكتور .. أنا شبح . هل تريدنى أن أثبت لك ذلك "
قالها وتلاشى من المقعد .. اختفى من الغرفة تماماً.
أخذت أدور حولى فى فزع .. أستعذ بالله من الشيطان .. أبحث بنظرى عن ذلك الشىء ثم حاولت مع الباب فى ذعر .
وعندما أمسكت يدى بالمقبض اخترقت يده الباب لتقبض على معصمى .
اخترقت يده الباب من الناحية المقابلة وكأنها دخان أو هواء ولكنها كانت قويه كالصخر.
حاولت أن أفلت منه ولكننى كنت واهماً .. أرتجف وأعرق وأنتفض كالغريق . ولكنه لم يترك يدى بل جذبنى فى عنف نحوه .. نحو الباب .
توقعت أن يرتطم وجهى بالباب .. ليتحطم أنفى .. أغمضت عيناى فى انتظار الاصطدام المُقبل ولكن اخترق جسدى الباب فى غرابه . كيف حدث هذا ؟! لا أعرف ذلك .. وربما كل ذلك كان وهماً والباب لم يكن موجوداً بالفعل ولكن كل ما أعرفه هو أننى وجدت نفسى بالخارج .. فى صالة العيادة .. أتطلع رغماً عنى إلى الدماء .. و الحوائط الحمراء بينما أنفى تهاجمها رائحة الموت .
تجمدت فى مكانى .. أنظر فى ذهول تفصله شعرة واحدة عن الجنون إلىجثة الرجل العجوز و عيناه الجاحظتان المستغيثتان.
= " هل تعجبك عيناه ؟؟ "
قالها فى سخرية ثم برزت تلك السكين اللامعة فى يده من الفراغ و بحركة خرافية السرعة فصل رأس العجوز عن الجسد والتقطت يده الرأس الدامية من شعرها ووضعها أمام عيناى :
= " تستطيع أن تأخذ الرأس كلها ! "
انهرت على الأرض وفقدان الوعى وقبله الغثيان يهاجمان جسدى ولكنه دفعنى فى قسوة نحو غرفتى . وهذه المرة لم يخترق جسدى الباب بل ارتطم برأسى واجتاحنى ذلك الدوار الرهيب مجدداً ثم انفتح الباب .. ورياح غريبة تملأ المكان وتقذف بكل شئ إلى الحوائط .. ثم جسدى أفقد سيطرتى عليه ويطير إلى داخل غرفتى .
رأيت الحوائط سوداء .. والغرفة صارت قاتمة .. مظلمة .. ولا ألمح وسط كل هذا السواد سوى مكتبى مضيئاً وعليه يجلس ذلك الكابوس .. يضحك فى سخرية .
******************************
* " دكتور .. هل ترانى مخدراً أمامك أو جسدى يتطوح من فرط حاجتى للنوم "
- " ماذا تعنى "
أردف الضابط صارخاً
* " أعنى أنك نسيت نفسك وتعتقد أنك تكلم أحد مرضاك !"
هززت رأسى فى يأس :
- " أنت لا تصدقنى ! "
قال فى سخرية غاضبه
• " لا أصدقك !! هل تسألنى هذا السؤال .. هل تعنيه حقاً ؟! هل تعتقد أننى سأصدق كل هذه الأكاذيب؟! "
أغرق التحدى كلماتى:
- " أنا نفسى لم أكن أصدق ما حولى . لقد عشت كابوساً بمعنى الكلمة . أنا لا أكذب فى شئ غريب كهذا . أقسم لك أنها الحقيقة ولا شئ سوى الحقيقة لا أعتقد أن شخصاً بمركزى وفى عمرى يستطيع أن يختلق شيئاً مثل هذا فى قسم الشرطة لأدمر سمعتى التى بنيتها فى سنين هذا جنون .. جنون محض!"
• " وأنا مضطر أن أصدق قصتك أليس كذلك ؟ هل هذا منطقى؟! "
لمست يدى بحركة مضطربة لا شعورية الجرح العميق فى جبهتى قائلا :
-" أنت مضطر أن تصدق الحقيقة .. هذا هو الشىء المنطقى "
************************************
= " تعال اجلس يا دكتور "
- " ما الذى فعلته ؟!"
رددتها وأنا شبه تائه .. أعى الزمان والمكان بصعوبة بالغة .
صار وجهة قبيحاً .. مخيفاً . رأيت عيناه تتسعان وملامحه تتجعد بينما صرخ بقسوة :
= " قلت لك اجلس أيها اللعين "
ولحظتها لم أشعر إلا بجسدى يندفع فى الهواء للأمام متجهاً نحو مقعدى خلف المكتب .. سيقانى ترتطم بالمكتب وتكاد تنكسر ثم جسدى ينهار على المقعد الجلدى حتى قرب أن يتحطم .
نهض من على المكتب ليجلس على المقعد الذى يواجهنى ويضع ساقاً فوق ساق .
= " آسف على ما فعلته .. ولكننى كان يجب أن أؤيد وجهة نظرى "
نظر إلى ملامحى الخائفة مردفاً :
= " أنت تعلم أنه يجب أن يكون هناك دليلاً ليؤكد الكلام الذى قلته لك . فمن الطبيعى أننى عندما أقول لك أننى شبح ألا تصدقنى . هذا شئ مشكوك فى صحته يجب إثباته "
- " وبقتلك .. "
قاطعنى :
= " نعم .. بقتلى لذلك العجوز وإخافتك أثبت ما أريده .. هذه حقيقة لا تستطيع إنكارها "
أخذت أبحث فى الغرفة .. أبحث عن ثقب إبرة للهرب من هذا الرجل .
ولكن للأسف بدا ذلك مستحيلا وهو يبدو متحكماً تماماً بالموقف ويمسك زمامه بقدراته الرهيبة.
- " وما الذى تريده منى ؟! "
خرج سؤالى رغماً عنى مشوب بلمحه لا تنكر من الاستسلام والضعف .
= " أريدك أن تقتلنى يا دكتور "
- " ماذا ؟!! "
نظر إلى الفراغ متأملاً ذلك السواد بينما لهجته الهادئة تعود إليه تدريجياً :
= " إنه شئ عجيب بالفعل يا دكتور . أن تستطيع أن تقتل وتخيف الآخرين ولكنك فى نفس الوقت لا تستطيع أن تنتحر وتموت "
- " أقتل شبح ؟! "
= " هذه أصبحت مشكلتك يا دكتور وليست مشكلتى "
تساءلت مرتجفاً :
- " وإذا فشلت ؟! "
= " آه .. هنا تكمن المشكلة " ثم اتسعت حدقتاه وتخيلت عيناه تكبران حتى تملانى بلمحه تهديد رهيبة واجهتها بخوف وفزع لا اعتقد أننى عاصرته من قبل فى حياتى وأردف:
= " من الأفضل لك ألا تفشل يا دكتور وإلا لن يذهب ساعيك العجوز إلى السماء وحده . إن الوحدة قاسيه .. مروعه .
من السخرية أننى عندما كنت شابا ساذجاً . اعتقدت أنه لا يوجد أجمل من حرية الوحدة .. أن تجلس منطوياً .. تفكر .. تتأمل , لا يضايقك أحد أو يقلق مضجعك . لا أسئلة .. ولا إجابات .. ولا صداع . ولكننى لم أتخيل فى يوم ما أن تلك الوحدة ممكن أن تستمر . لقد تحققت لى أمنيتى وعشت وحيدا . لم أعش وحيدا عشرة أو عشرين أو حتى خمسين سنه .. بل عاصرت الوحدة لما يقرب من مائتى عام .. ومع ذلك لا أجد الموت . أنا أصنعه ولا أستطيع أن أتذوقه . أرى أجيالاً تولد وأجيالاً تموت .. دول تنهار ودول تنهض وأنا كما أنا .. ملعون للأبد .. مُعذب عذاباً سرمدياً . كل ذلك أصابنى بالجنون .كنت مجرد إنسان تقليدى هادئ الطبع .. فصرت قاتلاً ذا نفسيه مشوهه .. مجرد كيان شاذ يحاول التنفيس عن غضبه وجنونه بقتل وتعذيب الآخرين ".
ثم صمت وهو يتنهد فى ألم وكدت أقسم أننى ألمح بريق دمعتين يولدان ولكنهما اختفيا فى أقل من ثانيه واحدة وكأنه فقد حتى القدرة على البكاء.
الموقف كان سيئاً للغاية ، بل بلا حل على الإطلاق .. والكارثة أننى لست الأول الذى يفرض عليه هذا الحكم البشع .. أن أقتله أو يقتلنى . أنا شبه موقن بأنه عرضه على العشرات قبلى ومعنى أنه يجلس أمامى الآن أنهم فشلوا وأنه .. قتلهم !
- " وهل جربت أنت كل وسائل الموت ؟!
= " هل تمزح .. بالتأكيد فعلت ذلك ولكن بلا فائدة "
الآن والآن فقط كنت أحاول أن أتمالك أعصابى . أحاول أن أسيطر على خوفى وارتعاده جسدى . ذلك الخوف لن يقودنى إلا إلى حتفى . ولا يوجد أمامى سوى حل واحد .. هو التفكير فى الخروج من هذا المأزق ومسايرة هذا اللعين حتى أصل لنهايته أو أصل لنهايتى !
قلت له فى صوت خرج منى بالكاد :
- " هل فكرت فى .. الذبح ؟!"
قال فى حده :
= : ماذا قلت ؟! "
أعدتها بصوت مخنوق :
- " الذبح .. هل حاولت أن تذبح نفسك ؟! "
ابتسم وهو يتراجع برأسه للوراء وعيناه تسرحان فى استمتاع وكأنه يتذكر شيئاً سعيداّ :
= " الذبح .. أه .. وسيله القتل المفضلة للسفاحين . تلك الطريقة الدموية التى تروى ذلك الظمأ النفسى المشوه فى أعماقهم . ملمس السكين البارد وهو يلمس جلد العنق والحنجرة . ثم تلك اللحظة المريعة من الترقب والتوجس والتى لا يوجد فى الحياة أطول ولا أقسى منها ..السكين وهى تنحنى على الأوردة لتقطعها فى تتابع لذيذ .. وريد تلو الآخر وتتبعها الدماء وهى تندفع كالسيل وكأنها بلا نهاية "
قالها ثم قفز ناهضاً من على المقعد بصوره مُفاجئه .. ومع قفزته ارتفع مكتبى الخشبى من حده المفاجأة ويدى تحمى وجهى ورأسى من الشظايا الخشبية التى تناثرت كالمطر فوقى.
وعندما فتحت عيناى وجدته أمامى . وجهه يكاد يلتصق بوجهى .. أنفاسه اللاهثة تكاد تذيبنى وهو يشهق شهقات رهيبة تمزق قلبى من فرط العذاب الذى يملؤها وعيناه اختفى سوادهما وبدتا بيضاء كالثلج وتلمعان فى الظلام . لحظتها نظرت بصوره لا إرادية إلى عنقه ورأيت يداه تقبضان عليها فى قوة .. تحاولان أن توقفا انهمار الدماء من شق ضخم .. غائر يطوقها .. دماء تندفع بلا توقف .. تغرقه وتغرقنى .
صرخت فى هستريا وقفزت كالملدوغ من أمام كل هذه الدماء وعدوت نحو ركن الغرفة والتصقت بالجدران وكأننى أتمنى أن تنشق وأختبئ فيها .
يشهق .. يصرخ بصوت رفيع .. الدماء تتدفق من عنقه وتصنع نهراً صغيراً يغمر الأرض فى سرعة .
يدير رأسه نحوى ملوحا بيده فى استنجاد .. ثم يقترب منى .. ورأسه بدأت تهتز وتتطوح على صدره وكأنها ثوان وتسقط من فرط عُمق الجرح ..
الدماء تتجمع على الأرض .... دماء رهيبة لا تنتهى ، تكسو السجاد وتصنع بقعه حمراء ضخمه تتجه نحوى فى إصرار .
ثم رأيت فجأة تلك الرؤوس تخرج من وسط بقعه الدماء .. رءوس بشريه ! ثم تخرج الأعناق والصدور .. وبعدها تخرج الأجساد كاملة من الدماء .. نساء ورجال جلودهم حمراء من فرط الدماء التى تغرقهم ..أفواههم مفتوحة صارخة .. أعناقهم مذبوحة تخرج منها الدماء بلا نهاية وكلهم رءوسهم تتدلى على صدورهم وأيديهم تتطوح فى الهواء والكارثة أنهم كلهم يتوجهون نحوى .
والمزيد يخرج من البقعة الحمراء التى غطت ارض الغرفة ولوثت قدماى . عشرات الأشخاص الدمويين المذبوحين يخرجون من الأرض ويملأون الغرفة.
بكيت .. وبكيت .. أخفيت وجهى براحتى وصرخت فى جنون :
- " كفى .. كفى ! عليك اللعنة .. كفى ! "
يقتربون منى .. يلمسون جسدى .. يتعلقون بعنقى .. يغرقوننى بدمائهم و ..
واختفى كل شئ فجأة ! وعاد كل شئ للبداية .
وجدتنى أجلس على مقعدى خلف المكتب .. بينما يجلس هو أمامى بابتسامته الواثقة المقززة .. والأضواء عادت للغرفة بينما اختفى الحفل الدموى تماما ولم يترك نقطه دماء واحدة فى الغرفة .
= " هل رأيت ضحاياى ؟! آه .. آسف .. جزء من ضحاياى على مدار مائتين وعشرين عاماً . هل رأيتنى ؟! لقد جربت الذبح على الكثيرين وبالطبع جربته على نفسى . أنت لا تعتقد أننى سأغفل أقدم وسيله موت فى التاريخ وكل ما يعادلها مثل تقطيع شرايين المعصم و الطعن والنزف حتى الموت . كل هذا جربته ولكن .. بلا أية فائدة "
هززت رأسى فى يأس وغضب :
- " لا فائدة .. لا فائدة . كل هذا بلا جدوى .. كيف من المفترض أن أقتلك ؟! هذا جنون "
نظر لى وهو يبتسم ابتسامته الكريهه ولكننى صرخت بعد أن أعمى ذلك المشهد المروع أى ذره للتفكير أو الهدوء :
- " إذا كنت تريد أن تقتلنى فافعل ذلك الآن ولكنى لن أحتمل المزيد من العذاب "
قطب حاجبيه فى صرامة وصوته يخرج غليظاً مخيفاً :
= " سأقتلك كما لم أقتل أى شخص فى حياتى .. عذاب لم يره مخلوق سأقطع أصابعك إصبع إصبع .. يديك .. ثم قدميك ثم أنفك وأذنيك وأقتلع عينيك وأشق صدرك بعشرات الجروح و أشوه وجهك .. وفى النهاية سأخلع قلبك من صدرك .. عذاب لن تتخيله فى أسوأ كوابيسك وبالمناسبة .. أنا لا أمِلٌ أبداً من ذلك .. إنها ألعابى التى تسلينى وأقضى فيها أياماً وشهوراً بدون أن أتوقف "
غمرنى الصمت والذهول .. أحاول البحث عن الكلام بعد أن تخيل عقلى ثانيه واحدة من هذا العذاب الذى يستطيع أن يجعلنى أعاصره بلا أى مبرر .
= " والآن .. أية أفكار جديدة ؟! "
- " ماذا عن الشنق ؟! "
وغمرنى ذلك الهواء البارد وتلك الرائحة الغريبة .. ومن سقف الغرفة سقط الجميع .. الأجساد البشرية تتوالى كقطع الدومينو .. تبرز من العدم وصوت قرقعة العظام وتحطيمها لا ينقطع .
أجساد لرجال ونساء .. مشنوقين بحبال غليظة معلقه فى السقف وقبل أن أستوعب ذلك المشهد شعرت بذلك الحبل يلتف حول عنقى ويجذبنى للوراء .
شهقت من فرط المفاجأة ووضعت يدى اليمنى بين الحبل وبين عنقى . تراجع جسدى للوراء من فرط قوة جذب الحبل وسقطت بالمقعد ولكن الحبل سرعان ما جذبنى لأعلى من فرط ضغطه على أصابعى التى تقاتل فى استماتة حتى لا يتمكن الحبل من خنقى.
واصل الحبل ارتفاعه وجسدى ينتفض ويتلوى محاولاً التخلص من ذلك الألم حتى بلغ مكاناً متوسطاً بين الأجساد الميتة .. الشاحبة الوجوه .. محطمه الأعناق .
وبينما كنت أحاول فى فزع التخلص من الحبل لمحت إحدى الجثث المعلقة تدور حول نفسها لتواجهنى وعندما نظرت إلى ذلك الوجه الشاحب وجدته وجه ذلك اللعين .. الذى فتح عيناه فجأة واعتدل بعنقه ليضحك فى سخريه :
= " ما رأيك يا دكتور .. هل جربت الشنق ؟! "
الحبل مازال يضغط فى قسوة وظهرى أشعر به يكاد يتحطم ولكننى سمعته يردف:
= " تلك الانشوطة الضيقة تلتف حول عنقك وقدميك تلمسان المقعد بأسفلك وكأنها تتمنى ألا تفارقه أبداً .. حتى يسقط المقعد .. ويسقط جسدك معلقاً من الأنشوطه التى تضغط على عنقك ولا تشعر إلا بفقراتك العنقية وهى تتحطم فى تتابع موسيقى الواحدة تلو الأخرى .
أنا لا أفضل الشنق فى الواقع ولكننى أحيانا أحتاجه مع بعض ضحاياى مثل الطبيب الذى قتلته قبلك . لقد جربت الشنق يا دكتور .. إنه فاشل ..فاشل "
لحظتها تحررت عنقى من سيطرة الحبل وسقطت أرضا بينما اختفت كل الجثث.
وفى اللحظة التالية لم أشعر إلا بنفسى أعدو نحو النافذة المفتوحة لا يوجد حل آخر .. إما أن أقفز وأموت لأتخلص من كل هذا العذاب أو أهبط سليماً وأعدو لأهرب من هذا الجنون .
قفزت نحو النافذة .. وهبط جسدى المقلوب مخترقاً الفراغ .. رأسى بأسفل وسيقانى تتعلق بأعلى بينما الهواء البارد يطير ملابسى ويثلج وجهى .
الأرض تقترب من رأسى .. تقترب لتنهى خوفى وألمى .. ثلاثة أمتار .. مترين .. سنتيمترات ويكون ارتطام رهيب لا نجاة منه ثم ..
تعلقت فجأة فى الهواء من ساقى .. يد تقبض على ساقى فى قوة وتمنعنى من استكمال سقوطى .
لويت رأسى لأنظر إلى أعلى فوجدته هناك .. يتعلق بين الطابقين الأول والثانى فى الهواء ويمسك بساقى وكأنه يمسك بلعبه صغيرة ثم ارتفع فى الهواء وجسدى يرتفع معه بينما أرفرف بذراعاى كالدجاجة بلا حول ولا قوة . حتى بلغ حافة نافذة مكتبى ثم طوح بجسدى بقوة من خلال النافذة لأسقط على الأرض لاهثاً والدماء تكاد تنفجر من فرط احتقانها برأسى .
ثم تبعنى من النافذة وهو يشير نحوى فى غضب :
= " هذه آخر فرصه لك .. متى ستفهم أنه لا يوجد مكان للهرب منى على وجه هذه الأرض .. ما كل هذا الغباء . محاولة أخرى فاشلة وسأطبق معك ما حذرتك منه منذ قليل"
كنت مكوماً على الأرض والألم يصرخ من كل خليه فى جسدى أتطلع له فى ضعف .. وسمعته يردف :
= " والآن اجلس على مكتبك ودعنا نفكر بهدوء قليلاً "
هتفت بأقصى قوه أمتلكها :
- " لا ! "
نظر لى مندهشاً فتابعت بنفس الانفعال :
- " لا توجد لدى أفكار جديدة للموت .. لقد يأست . هذا عذاب لم أره فى حياتى .. لا ولن يوجد أقسى منه .. ولن توجد وسيله لقتلك . إذا كنت تريد قتلى فافعل .. أو عذبنى إذا شئت لا أهتم بشىء ولكنى أريد أن أنتهى من تلك اللعبة اللعينة "
نظر لثوان محدقاً فى وجهى وكأنه يتعجب من منظر جسدى وأنا على الأرض متألم بضعف وبين لهجتى الحانقة وغضبى ثم قال فى هدوء :
= " لقد توقعت هذا يا دكتور أنت فاشل .. فاشل مثل كل الآخرين . مجموعه من الفاشلين لا تستطيع أن تنهى ألمى . هل عذبتك يا دكتور ؟! . ولكنك لم تعرف العذاب الحقيقى .. لا تعرف عذابى فى حياة رهيبة طوال مائتين وخمسين عام .. وأنت تشتكى من عذاب لم يستغرق دقائق "
ثم اقترب فى سرعة هاتفاً بغضب :
= " الذبح .. الشنق .. النار .. الغرق .. كل ذلك لا ينفع .. أنتم لا تستحقون الحياة لحظه واحدة بعد أن فشلتم فى إنقاذى . والآن .. اختار لك طريقة يا دكتور كى تنهى عذابك هذه الليلة "
قالها وهو يقترب منى فى هدوء وملامحه تتغير .. تصير ملامح مشوهه رهيبة .. وكأن أحدهم سكب أحد الأحماض على وجهه .. ورأسه مائلة على كتفيه وكأنها توشك على السقوط .. عيناه غائرتان للغاية أشبه بفجوتين سوداوين . وأنفه مجدوع وعنقه ملئ بالجروح والتشوهات .
تطلعت لملامحه فى ذهول .
= " نعم يا دكتور .. هذا هو وجهى الحقيقى . أمامك نتيجة موت لا يأتى أبداً وعذاب لا ينتهى "
إزداد اقترابه وأنا أرى الموت هناك يقترب باقترابه منى ..
= " وكن مطمئنا .. فهذا الوجه سيكون آخر شئ تراه فى حياتك .. مثلك مثل زملائك الثلاثة أطباء الذين سبقوك الليلة"
يقترب منى وظله يغطينى ورعبى يملؤنى .. ولا يوجد أمامى أى حل آخر للنجاة من كل هذا .. الموت قريباً ولكننى لا أستطيع أن أفعل أى شئ .. لا يوجد أمامى سوى الاستسلام.
وعندما تضاءلت المسافة بينى وبينه إلى سنتيمترات شعرت بتلك الحرارة تلفح جسدى .. حرارة قاسيه غمرت هواء الحجرة وبصورة مفاجئة وتزيد بشكل مضطرد .
رأيت النيران تشتعل فى مكتبى الخشبى والمقاعد .. والسجاد يحترق .. الجدران تتوهج .. والسقف يتحول لكتله من اللهيب .
بينما ذلك الرجل وجدته يتراجع فى رهبه .. قفزت من على الأرض ملدوغاً أبتعد عن النيران التى زحفت نحوى فى سرعة.
سمعته يصرخ فى جنون .. وعندما نظرت نحوه وأهدابى تكاد تشتعل من فرط تلك الحرارة وجدت تلك الظلال السوداء تبرز من وسط اللهيب والنيران .. ظلال ثنائية الأبعاد أشبه ببقعه سوداء بلا ملامح .
أحاطت به تلك الظلال .. صرخ مجددا ووجدته يعدو نحو النافذة فى إصرار .. ولكن الظلال لحقت به وكبلته .
كان يصرخ بلا توقف :
= " كفى .. كفى ! اتركونى "
الظلال تقبض علىوجهه بأطرافها .. الدماء تندفع من عيناه وأنفه .. بينما النيران تشتعل فى جسده وتعذبه بلا رحمه . الأطراف تخترق صدره و تنتزع قلبه فى وحشية .
و لكنه كان يبحث عن الموت ووجده ..
لقد مات .. أليس هذا رائعاً !
*********************************
امتدت يد الضابط بحركة تلقائية نحو علبة سجائره والتقط منها سيجارة متجاهلاً نظراتى المحتجة .. بل رمقنى بنظرة نارية متوعدة كادت تجعلنى أنسى كراهيتى للتدخين و أطلب منه سيجارة .
ثم أمسك بورقه ما وزفر الدخان بعصبية ليقول بدون أن يرفع عينه نحوى :
* " لقد وجدنا الرجل بالفعل ميتاً على الرصيف المقابل لعيادتك .. محروقاً ومشوهاً .. وللأسف ...منزوع القلب!!"
- " نعم .. تلك الظلال السوداء ألقته من النافذة والنيران مشتعلة به "
همس فى سخريه :
* " آه .. الظلال السوداء مجدداً ! "
وضع الورقة على المكتب مردفاً :
* " ولكن لى بعض الملاحظات على أقوالك . ملاحظات تصنع علامات استفهام كبيرة "
- " أية ملاحظات "
* " أول سؤال لدى يا دكتور .. هو أنك قلت أن الساعى العجوز قد غادر العيادة فى حوالى الحادية عشر والنصف ولكنك بعد ذلك قلت أن الرجل قتله حوالى الثانية عشر .. فكيف يحدث هذا ؟! أليس من المفترض أنه غادر العيادة بالفعل ؟! "
- " فى الحقيقة لا أعرف أنا نفسى كيف حدث ذلك .. لقد استأذن وغادر العيادة كما قلت لك .. كيف عاد مرة أخرى هذا ما لا أعرفه ؟! "
اخترقنى بنظراته الحادة قائلاً :
* " أو ربما لم يغادر العيادة أساسا وشخص آخر هو الذى قتله ؟ "
تلميح الاتهام فى عبارته كان مؤكداً فقلت متسائلاً :
- " ما الذى تقصده بذلك ؟ أتقصد أننى الذى قتلته ؟! "
* " لا .. أنت لم تقتله .. بل قتله رجل شبح يريد أن يموت .. أو ظلال سوداء قادمة من الجحيم "
قالها ساخراً وغاضباً .. إنه لم يصدق حرفاً مما قلته للأسف .
* " ثم إنك قلت أن العيادة احترقت ، المكتب ، السجاد وكل شئ ولكننى رأيت العيادة سليمة تماماً ولم يحترق بها حتى عود ثقاب فما تفسيرك لذلك ؟! "
- " ما حدث لم يكن طبيعياً بالمرة .. ذلك الرجل كان يجعلنى أعيش عذاباً خرافياً ولكن ذلك كان جزءاً من الوهم .. شيئاً ليس حقيقياً .. مجرد وهم يقتنص العقل والمشاعر ولكنه ليس حقيقياً .. وأعتقد أن تلك النيران كانت جُزءاً من الوهم "
* " ولكنك قلت أن الظلال السوداء هى سبب تلك النيران لكى تقتل ذلك الرجل .. فكيف أثرت عليه ولم تُؤثر عليك "
- " أ .. أنا لا أعرف .. هذه الظلال أعتقد أنها ملائكة الجحيم و .. "
صرخ وكأنه قرب على الجنون :
* " ملائكة الجحيم ؟!! الجحيم هو الذى سأرسلك إليه الآن يا دكتور ! أنت متهم بقتل رجل مجهول الشخصية فى عيادتك وأيضا قتل الساعى العجوز .. بل ووجدنا ثلاث جثث لثلاثة من الأطباء النفسيين فى عيادتك .. فكيف تفسر كل هذا ؟! "
كنت سأقول شيئاً ما .. ولكنه قاطعنى بصوت هادر :
* " ستقول شبح .. وجحيم وعذاب .. أنت أصبت بالعدوى من مرضاك يا دكتور .. أنا لدى هنا ما يجعلك تذهب لحبل المشنقة رأساً وقل للقاضى فى المحكمة هذا الهراء عن الأشباح والجحيم "
دافعت عن نفسى فى استماتة :
- " ولكن هذه هى الحقيقة .. أقسم لك "
* " كما أنه لا يوجد شهود لصالحك ، حتى إننا لم نجد الممرضة فى العيادة لتؤكد أقوالك لذلك اعتمدنا على أقوال حارس البناية وبعض الجيران الذين أقسموا أنهم استيقظوا فى الساعة الواحدة على أصوات مشاجرة وصراخ فى الطابق الثالث .. أى الطابق الذى به عيادتك يا دكتور .. وبمجرد وصول سيارة الدورية وجدوا جثه الرجل تسقط من النافذة .. نافذتك يا دكتور .. ولا يوجد بالعيادة سواك وأربع جثث .. لا توجد أشباح .. لا توجد ملائكة الجحيم .. لا يوجد سواك يا دكتور .. هل تفهم هذا ؟! "
صمت منتظراً أى رد منى ولكننى لم أتكلم .
* " حسناً وقع على أقوالك هنا "
أمسكت القلم وأنا أوقع على أقوالى فى المحضر منتظراً ما الذى سيحدث بعد ذلك .
* " كل ما أراه أمامى هى مذبحه حدثت . وشخص وحيد موجود فى مكان الجريمة وهو أنت , لذلك سأضطر أن أضعك فى الحجز حتى يتم عرضك على وكيل النيابة "
قفزت من على المقعد صارخاً
- " ماذا وكيل النيابة ؟!ولكننى برئ .. هو الذى قتلهم .. أنا لست كاذباً "
أشار بيده إلى أحد الجنود الذى أطبق على ذراعى ودفعنى فى قسوة . صرخت .. هددت وتوعدت ولكن الجميع تجاهلنى .. لحظتها كان الفجر يقترب فى سرعة ليقضى على سواد الليل .. لذلك توقفت فى مكانى بالرغم من محاولات الجندى أن يدفعنى ولكننى أدرت رأسى ونظرت نحو الضابط نظرة خاصة .. كان هذا إيذاناً بنهاية اللعبة ونهاية الأمر ..
وحدث كل شئ ولم يكن هناك من يستطيع أن يوقفنى
********************************
************************************
أمشى فى الشوارع الصامتة متطلعا إلى الفراغ .. وحزن ما مازال يعذبنى .. يذيبنى فى الألم .
اعتصرت عيناى محاولا البكاء ولكننى لم أستطع ..وكأننى صرت جماداً لا يشعر بأى شئ.
كنت أتمنى لو وضعنى أحدهم فى وعاء ضخم ووضع معى السواد والصمت لنمتزج نحن الثلاثة معاً .. أختلط مع الظلام وتلتحم ذراتى مع السكون ولكن كل هذه مجرد شطحات للخيال أعلم جيداً أنها ستصيبنى بالجنون إذا لم أكن مجنوناً بالفعل !
نعم قتلت الضابط .. قطعت حلقه بقلمه الحبر ووضعت سيجارته اللعينة فى عينه
وعندما حاول جنديان إيقافى لم أستطع التحكم فى غضبى فجعلتهم يلحقون بالضابط .
كانت اللعبة قد انتهت وقضيت ليله مثيرة بما فيه الكفاية وللأسف كل ما حدث فى العيادة كان حقيقياً ولكن مع تبادل الأدوار فالذى مات لم يكن ذلك الرجل الغريب الذى يدعى أنه شبح .. بل من مات هو الطبيب نفسه .. مالك العيادة.
كل ما حدث كان حقيقى .. وحدث بينى وبين الطبيب حتى النهاية . ولكن بالنسبة لجزء الظلال السوداء والنيران فهذه هى الأكاذيب .. فذلك لم يحدث . ولكننى أنا الذى عذبت الدكتور كما وعدته وقضيت عليه كما قضيت على ثلاثة قبله فى هذه الليلة بأبشع ميته كان يتخيلها فى حياته وشوهت ملامحه حتى لا يتعرف عليه أحد وعندما وجدت الشرطة أمامى لم أريد أن تنتهى اللعبة واستعرت ملامح الطبيب لأتسلى معهم قليلا.
هذا هو كل شئ !
لقد حققت رغبه الموت للكثيرين .. ولكن .. آه .. من الذى يحقق لى رغبه الموت التى أتمناها !
اسألنى عن معنى الوحدة الحقيقى وملل حياة الأشباح.. اسألنى عن القلق والملل والانتظار .. انتظار الموت الذى لا يأتى أبداً .. ذلك الانتظار اللانهائى المخيف .
و ...ما هذا الذى فى جيب المعطف ؟؟ ...لقد نسيت فيه قلب الدكتور !! أعتقد أننى لن أحتاجه بعد الآن .
لقد تحولت منذ زمن طويل إلى مجرد كيان شاذ مخيف مضطرب النفسية .. يُسلى وقته بقضائه ألعاب دموية مع الأطباء النفسيين.
ولكن كلهم فشلوا فى قتلى ولم يكن أمامى سوى قتلهم لأنهم خسروا اللعبة .
ومازلت أمشى فى الشوارع ..
ما زلت أعيش ولا أموت ..
ولكن تلك الرغبه المذهلة لم تفارق خيالى قط .. إنها رغبه الموت .
تمت بحمد الله
منقول من تأليف : أحمد عرفة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق